|
الصفحة الرئيسية | أضف موقعنا للمفضلة | سجل الزوار
|
|
|
المبحث العاشر الأسماء الحسنى التي ترجع إليها جميع الأسماء والصفات
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسير سورة الفاتحة : اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال ، وتضمنتها أكمل تضمن فاشتملت على التعريف بالمعبود – تبارك وتعالى – بثلاثة أسماء مرجع الأسماء الحسنى ، والصفات العليا إليها ، ومدارها عليها وهي : الله ، والرب ، والرحمن وبنيت السورة على الإلهيه ، والربوبية ، والرحمة ، فـ { إياك نعبد } مبني على الإلهية ، و{ إياك نستعين } على الربوبية ، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة الرحمة . والحمد يتضمن الأمور الثلاثة : فهو المحمود في إلهيته ، وربوبيته ، ورحمته ، والثناء والمجد كما لان لجده.. وتضمنت – يعني سورة الفاتحة – إثبات النبوات من جهات عديدة : 1. كون الله ( رب العالمين ) . فلا يليق به أن يترك عباده سدى هملاً لا يعرِّفهم ما ينفعهم في معاشهم ، ومعادهم ، وما يضرهم فيهما فهذا هضم للربوبية ونسبة الرب تعالى إلى ما لا يليق به وما قدره حق قدره من نسبه إليه . 2. من اسم (الله) وهو المألوه المعبود ولا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله عليهم الصلاة والسلام . 3. من اسمه ( الرحمن ) فإن رحمته تمنع إهمال عباده ، وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم . فمن أعطى اسم ( الرحمن ) حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، أعظم من تضمنه إنزال الغيث ، وإنبات الكلأ ، وإخراج الحب ، فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب . وأدرك منه أولو الألباب أمراً وراء ذلك ... واشتملت سورة الفاتحة على أنواع التوحيد الثلاثة التي اتفقت عليها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم . وهي : 1) التوحيد العلمي – سمي بذلك لتعلقه بالأخبار والمعرفة – ويسمى أيضاً بـ( توحيد الأسماء والصفات ) . 2) التوحيد القصدي الإرادي – سمي بذلك لتعلقه بالقصد والإرادة – وهذا الثاني نوعان : توحيد في الربوبية ، وتوحيد في الإلهية . فهذه ثلاثة أنواع . فأما التوحيد العلمي [ توحيد الأسماء والصفات ] فمداره على إثبات صفات الكمال ، وعلى نفي التشبيه ، والمثال ، والتنزيه عن العيوب والنقائص وقد دل على هذا شيئان : أ) مجمل ، ب) مفصل. أ ) أما المجمل فإثبات الحمد لله سبحانه . ب ) وأما المفصل فذكر صفة ( الإلهيه، والربوبية ، والرحمة ، والملك ) وعلى هذه الأربعة مدار الأسماء والصفات . * فأما تضمن الحمد لذلك فإن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله ، ونعوت جلاله ، مع محبته والرضا عنه ، والخضوع له . فلا يكون حامداً من جحد صفات المحمود ، ولا من أعرض عن محبته والخضوع له ، وكلما كانت صفات المحمود أكثر كان حمده أكمل وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها . ولهذا كان الحمد كله لله حمداً لا يحصيه سواه لكمال صفاته وكثرتها . لأجل هذا لا يحصي أحد من خلقه ثناءً عليه لما له من صفات الكمال ونعوت الجلال التي لا يحصيها سواه . كما قال صلى الله عليه وسلم : (( اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك )) فهذه دلالة على توحيد الأسماء والصفات . * وأما دلالة الأسماء الخمسة عليها ( أي على الأسماء والصفات ) وهي : ( الله ، والرب ، والرحمن ، والرحيم ، والملك ) فمبني على أصلين : الأصل الأول : أسماء الرب تبارك وتعالى دالة على صفات كماله فهي مشتقة من الصفات . فهي أسماء وهي أوصاف وبذلك كانت حسنى إذ لو كانت ألفاظاً لا معاني فيها لم تكن حسنى ، ولا كانت دالة على مدح ولا كمال . ولساغ وقوع أسماء الانتقام ، والغضب في مقام الرحمة والإحسان وبالعكس فيقال : اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر إنك أنت المنتقم . واللهم أعطني فإنك أنت الضار المانع ، ونحو ذلك ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً . ونفي معاني الأسماء الحسنى من أعظم الإلحاد فيها قال تعالى : { وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون } ولأنها لو لم تدل على معان وأوصاف لم يجز أن يخبر عنها بمصدرها ويوصف بها . لكن الله أخبر عن نفسه بمصدرها وأثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم . كقوله تعالى : { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } فعلم أنَّ ( القوي ) من أسمائه ومعناه : الموصوف بالقوة . وكذلك قوله تعالى : { فلله العزة جميعاً } فالعزيز من له العزة ، فلولا ثبوت القوة والعزة لم يسمَّ قوياً ولا عزيزاً ، وكذلك قوله تعالى : { أنزله بعلمه } وأجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله ، أو سمعه، أو بصره، أو قوته أو عزته ، أو عظمته انعقدت يمنيه وكانت مكفرة لأن هذه صفات كماله التي اشتقت منها أسماؤه . وأيضاً لو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات لم يسغ أن يخبر عنه بأفعالها . فلا يقال : يسمع، ويرى ، ويعلم ، ويقدر ، ويريد ، فإن ثبوت أحكام الصفات فرع ثبوتها فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها .. فنفي معاني أسمائه سبحانه من أعظم الإلحاد فيها والإلحاد فيها أنواع هذا أحدها . الأصل الثاني: الاسم من أسمائه تبارك وتعالى كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة ، فإنه يدل عليه دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم . فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن ، وكذلك على الذات المجردة عن الصفة ، ويدل على الصفة الأخرى باللزوم . فإن اسم (السميع) يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة . وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن ، ويدل على اسم ( الحي) وصفة الحياة بالالتزام . وكذلك سائر أسمائه وصفاته .. ولكن يتفاوت الناس في معرفة اللزوم وعدمه . * إذا تقرر هذان الأصلان فاسم ( الله ) دال على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا بالدلالات الثلاث ( المطابقة ، والتضمن ، واللزوم ) فإنه دال على إلهيتة المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له مع نفي أضدادها عنه . وصفات الإلهية –يعني أن الله الإله الحق وحده لا شريك له – هي صفات الكمال المنزهة عن التشبيه والتمثيل ، وعن العيوب والنقائص ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم كقوله تعالى : {ولله الأسماء الحسنى } ويقال : ( الرحمن ، والرحيم ، والقدوس ، والسلام , والعزيز، والحكيم ) من أسماء الله ولا يقال : الله من أسماء الرحمن ولا من أسماء العزيز . ونحو ذلك . فعلم أن اسمه ( الله ) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى ، دال عليها بالإجمال ، والأسماء الحسنى تفصيل ، وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم ( الله ) واسم (الله) دال على كونه مألوهاً معبوداً ، تألهه الخلائق محبة ، وتعظيماً خضوعاً وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب ، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته ، المتضمنين لكمال الملك والحمد . وإلهيته وربوبيته ، ورحمانيته ، وملكه ، مستلزم لجميع صفات كماله . إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي ولا سميع ، ولا بصير ولا قادر ولا متكلم ، ولا فعال لما يريد ، ولا حكيم في أفعاله . · وصفات الجلال والجمال: أخص باسم (الله) . · وصفات الفعل ، والقدرة والتفرد بالضر والنفع ، والعطاء والمنع ، ونفوذ المشيئة وكمال القوة وتدبير أمر الخليقة أخص باسم ( الرب ) . · وصفات الإحسان والجود والبر والحنان والمنة والرأفة واللطف ، أخص باسم ( الرحمن) . وكرر إيذاناً بثبوت الوصف ، وحصول أثره ، وتعلقه بمتعلقاته . فالرحمن الذي الرحمة وصفه ، والرحيم : الراحم لعباده ولهذا يقول تعالى : { وكان بالمؤمنين رحيماً } ولم يجئ رحمان بعباده ولا رحمان بالمؤمنين مع ما في اسم ( الرحمن ) الذي هو على وزن فعلان من سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه الموصوف به ... فبناء فعلان للسعة والشمول . ولهذا يقرن استواءه على العرش بهذا الاسم كثيراً كقوله تعالى : { الرحمن على العرش على استوى } لأن العرش محيط بالمخلوقات قد وسعها والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم قال تعالى : { ورحمتي وسعت كل شيء }وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده موضوع على العرش (( إن رحمتي تغلب غضبي )) وفي لفظ : (( فهو عنده على العرش ))فتأمل اختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة ، ووضعه عنده على العرش وطابق بين ذلك وبين قوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } وقوله : { ثم استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيراً } ينفتح لك باب عظيم من معرفة الرب تبارك وتعالى إن لم يغلقه عنك التعطيل والتجهيم . * وصفات العدل، والقبض والبسط، والخفض والرفع ، والعطاء والمنع ، والإعزاز، والإذلال، والقهر، والحكم، ونحوها أخص باسم ( الملك ) وخصه بيوم الدين وهو الجزاء بالعدل لتفرده بالحكم فيه وحده، ولأنه اليوم الحق، وما قبله كساعة، ولأنه الغاية وأيام الدنيا مراحل إليه .وفي ذكر هذه الأسماء بعد الحمد في قوله تعالى : { الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين }وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها ما يدل على أنه محمود في إلهيته ، محمود في ربوبيته ، محمود في رحمانيته، محمود في ملكه وأنه إله محمود، ورب محمود، وملك محمود . فله بذلك جميع أقسام الكمال . كمال من هذا الاسم بمفرده ، وكمال من الآخر بمفرده وكمال من اقتران أحدهما بالآخر. مثال ذلك قوله تعالى : { والله غني حميد } ، {والله عليم حكيم } ، {والله قدير والله غفور رحيم }، فالغنى صفة كمال والحمد صفة كمال ، واقتران غناه بحمده كمال أيضاً وعلمه كمال وحكمته كمال واقتران العلم بالحكمة كمال أيضاً . وقدرته كمال ، ومغفرته كمال واقتران القدرة بالمغفرة كمال ، وكذلك العفو بعد القدرة:{ إن الله كان عفواً قديراً } . فما كل من قدر عفا ، ولا كل من عفا يعفو عن قدرة ، ولا كل من علم يكون حليماً ، ولا كل حليم يكون عالم في قرن شئ إلى شئ أزين من حلم إلى علم ، ومن عفو إلى قدرة ، ومن مللك إلى حمد ، ومن عزة إلى رحمة , {وإن ربك لهو العزيز الرحيم } وفي هذا أظهر دلالة على أن أسماء الرب تبارك وتعالى مشتقة من أوصاف ومعان قامت به ، وإن كل اسم يناسب ما ذكر معه واقترن به من فعله وأمره والله الموفق للصواب . إذا قال السائل (( اللهم إني أسألك )) كأنه قال : أدعو الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بأسمائه وصفاته . فأتى بالميم المؤذنة بالجمع في آخر هذا الاسم ، إيذاناً بسؤاله تعالى بأسمائه كلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (( ما أصاب عبداً هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك ناصيتي بيدك ، ماض فيَّ حكمك ، عدل فيَّ قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك : أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري ، وجلاء حزني ، وذهاب همي وغمي ، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحاً )) قالوا يا رسول الله أفلا نتعلمهن ؟ قال: بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن )) . فالداعي مندوب إلى أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته كما في الاسم الأعظم (( اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم )) . والدعاء ثلاثة أقسام : 1) أن تسأل الله بأسمائه وصفاته . 2) أن تسأله بحاجتك وفقرك وذُلِّك فتقول أنا العبد الفقير المسكين الذليل المستجير ونحو ذلك . 3) أن تسأل حاجتك ولا تذكر واحداً من الأمرين فالأول أكمل من الثاني والثاني أكمل من الثالث فإذا جمع الدعاء الأمور الثلاثة كان أكمل . وهذه عامة أدعية النبي صلى الله عليه وسلم . فالدعاء الذي علَّمه صديق الأمة رضي الله عنه ذكر الأقسام الثلاثة : 1. فإنه قال في أوله : (( اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً )) وهذا حال السائل . 2. ثم قال : (( وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) وهذا حال المسؤول . 3. ثم قال : ((فاغفر لي )) فذكر حاجته وختم الدعاء باسمين من الأسماء الحسنى تناسب المطلوب وتقتضيه ، ثم قال ابن القيم رحمه الله : وهذا القول الذي اخترناه قد جاء عن غير واحد من السلف. قال الحسن البصري: (( اللهم )) مجمع الدعاء ، وقال أبو رجاء العطاردي : إن الميم في قوله (( اللهم )) فيها تسعة وتسعون اسماً من أسماء الله تعالى . وقال النضر بن شميل : من قال : (( اللهم )) فقد دعا الله بجميع أسمائه .
|
|
الصفحة الرئيسية | أضف موقعنا للمفضلة | سجل الزوار
|