إن الأساس الذي تقوم عليه الحضارة هو الإنسان نفسه بما يحمله من مبادئ وقيم. فحيثما وجدت المبادئ السامية والقيم الإنسانية العليا ، وجدت الحضارة الإنسانية في أسمى مظاهرها.
ولذا فقد توجه الإسلام أولا إلى العناية بترسيخ المبادئ القويمة والمثل العليا في النفس الإنسانية لتكون المنطلق الصالح لتشييد حضارة إنسانية صحيحة وسليمة.
فأساس الحضارة الإنسانية في الإسلام روحي معنوي تنبثق عنه الفضائل الإنسانية كلها.
ويقوم على تقويم الفكر وتهذيب النفس. وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ
(النور : 55).
وبقوله تعالى : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53)
(الأنفال : 52 ـ 53).
نستخلص مما سبق الأمور التالية :
1- الحضارة الإنسانية تستمد وجودها وبقاءها وأسباب نموها وتقدمها ـ في نظر الإسلام ـ من القيم الإنسانية الخالدة النابعة من العقيدة الإسلامية الصالحة. تلك العقيدة التي تحرر الإنسان من عبوديته لغير الله ، ومن نزعاته الفردية ، وتحفظ عليه خصائصه الإنسانية وتمنعه من الانحراف في ممارستها.
2- عن الحضارة الإنسانية لا تقاس بالتقدم العلمي أو الصناعي أو الآلي لا يكون تعبيرا عن أهداف إنسانية نبيلة ، فقد يتخذ مثلا وسيلة لأهداف غير إنسانية كالظلم والبغي واستغلال الشعوب واستعمارها واستعبادها.
3- لا يلزم من وجود الرقي المادي في بيئة معينة وجود حضارة إنسانية ، إذ قد يعيش فرد في بيئة راقية ماديا ، ولكنه هو نفسه غير متحضر إنسانيا. والمثال على ذلك التفرقة العنصرية التي ترفع لواءها اليوم دولة من أعظم دول العالم في الحضارة المادية ، فضلا عن أن هذا الرقي المادي قد استخدم في إشعال نار الحروب وفي استعمار الشعوب أو سلخها عن أوطانها أو إفنائها ليحل محلها شعب آخر ظلما وعدوانا.
* غير أن هذا الرقي المادي لا بد من أن يصيبه ما أصاب حضارات عظيمة لم تتسم بالطابع الإنساني. سادت زمنا معينا ثم أخذت على حين غرة. قال تعالى : إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (سورة يونس : 24).