الصفحة الرئيسية        |        فهرس أزمات الشباب           |          أضف موقعنا للمفضلة       |             سجل الزوار

 

"التكليف" وطوارئه

 

 

1-   من هو "المكلف"  

أولا: شروط التكليف بالإيمان.

ثانيا: شروط التكليف بالعبادات.

 

2-   طوارئ التكليف:

القسم الأول: الطواءئ السماوية:

[الجنون، والعته، والنسيان،  النوم، والرقّ، والمرض، والموت].

القسم الثاني: الطوارئ المكتسبة:

[الجهل،الإكراه، والهزل، والخطأ، والسّكر].

 

 

  أشرنا سابقا، الى أن بداية "مرحلة الشباب"، هي بداية "مرحلة التكليف"، إذا توفّرت شروطه، حيث يصير الإنسان من أهل الخطاب بالأمر والنهي، ومسؤولا عن أعماله، خيرها وشرّها، في الدنيا والآخرة.. فيثاب ويعاقب، ويسأل ويحاسب.

 

  وقد وجدنا من المفيد: أن نتوسّع في بحث موضوع "التكليف" هذا، فنبيّن من هو المكلف شرعا؛ وما هي أهمّ الأمور المعترضة على " أهلية الإنسان"، التي تؤدي إلى أسقاط التكليف عنه.

 

  إن كلامنا في هذا الشأن، سيكون طبقا لما ذكره علماء " أصول الفقه"، ليس " الأطباء"، لأننا لا نبحث عن أمراض الجسد، ولا عن تعريفاتها الطبية، ولا عن الأدوية والعقاقير التي تعالج بها، بل إننا نبحث في الناحية التكليفية للإنسان، وشروطها، ومسؤوليات المكلف، وما له وما عليه، ونبحث أيضا في المعترضات التي يسقط بسببها التكليف عن الإنسان، إما كليا، وإما جزئيا.

 

  إننا لم نتطرّق في المواضيع كلها، إلى الناحية الطبية أو النفسية المعروفة، التي تكلم فيها علماء الطب والتشريح والتفس، ونحن فعلنا ذلك قصدا، لأن هذه الناحية ليست مقصودة هنا.

 

 لقد ذكرنا مراحل حياة الإنسان، من أولها الى آخرها، طبقا لما جاء في النصوص الشريفة، من الكتاب والسنة، وهذا ما سنفعله هنا في كلامنا عن: "التكليف".. و"المكلف"..و"طوارئ التكليف"، إذ لا يهمنا أن نعرف ـ مثلا ـ : ما هو "الجنون" في عرف أطباء الأمراض العقلية والعصبية، ولا أنواع الجنون، ومراتبه، وعوراضه.. ، لأن هذه المواضيع، تندرج في إطار الكتابة العلمية الطبية المحضة، وذلك لا ينفع سوى الأطباء، والدارسين للطب.

 

  إن ما يعنينا هو: أثر تلك الطوارئ على أهلية "المكلف" من الناحية الشرعية البحتة، لأن المكلف هو المعرّض لأن تصدر عنه " أزمة".. أو أن تحلّ به "أزمة".. وهو الذي يسأل عن حلول "الأزمات".. ويسأل عما يصدر  عنه من أسبابها.

  

 1 -    من هو "المكلف"؟

 

  لقد كلّف الله عز وجل الإنسان بتكاليف شرعية، هي عبارة عن:" أوامر ونواهي"، أعلاها " الإيمان"، وجعل هذه التكاليف، ضمن قدرة العبد واستطاعته، فلذلك رفع الله تعالى عن الأمة الحرج فقال تعالى:{ ما جعل عليكم في الدين من حرج}، و"الحرج": في اللغة هو "المكان الضيّق، كثير الشجر"، أي: لم يكلفكم بما يشقّ عليكم، ويخرج عن طاقتكم، كما قال عز وجل:{ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.

 

  ومع وجود اليسر في التشريع والتكاليف، فإن الشرع الحنيف، قد تضمّن رخصا واستثناءات في حالات معيّنة، راعى فيها قدرة المكلف إذا طرأ عليه عذر، كمرض أو سفر، فقد أباح للمسافر الإفطار في رمضان، ورخّص للمريض بعدم الصيام فيه. وذلك لكيلا يكون للمكلف حجة أو ذريعة، يحاول أن يبرّر بها تقصيره في واجباته، ومخالفته لأحكام الشرع الشريف.

 

إنّ "التكليف" في الإسلام على مرتبتين، تتقدم إحداهما الأخرى، والأولى شرطا من شروط المرتبة الثانية وهما: التكليف بالإيمان أولا، ثم تكليف المسلم بالتكاليف الشرعية الأخرى، ولكل من هاتين المرتبتين شروط، وإليك بيانها:

 

أولا: شروط التكليف بالإيمان:

 

  نعني بـ " الإيمان": الإيمان الصحيح الحق، الذي أمر الله تعالى به عباده على ألسنة رسه، وذلك بأن يؤمن الإنسان المكلف: بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشرّه، وبكلّ عوالم الغيب، التي أخبر الله تعالى عنها، على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.. إلى غير ذلك من الأمور التي بيّنّاها في كتابنا:" سبيل النهضة".

 

  والمكلف شرع بالإيمان، هو: من توفرت فيه الشروط الأربعة التالية، فإن لم يؤمن كان كافرا:

 

الشرط الأول ـ البلوغ:

 

  "البالغ هو: الإنسان الذي تجاوز مرحلة "الصبا"، ومن علامات البلوغ عند الصبيّ: نزول المني منه باحتلام أو غيره، أو إحباله زوجته، وعند الصبيّة: أن ترى دم الحيض، أو أن تحبل، فإذا ظهر أيّ من هذه العلامات، فقد بلغ صاحبها، وصار في سن التكليف، وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاءن ولكنهم اختلفوا في السّن التي يعتبر الإنسان عند بلوغها بالغا حكما إذا لم تظهر فيه أمارة من أمارات البلوغ التي ذكرناها، فذهب جمهور الفقهاء الى أنّ سنّ البلوغ هي: تمام الخامسة عشرة من العمر.

 

الشرط الثاني ـ العقل:

 

  لا شك في أن "العقل" من النّعم الكبرى، التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان، فلذلك اعتبره الشرع الشريف " مناط التكليف"، فلم يكلف إلا عاقل، والعاقل المكلف بالإيمان هو: الإنسان، السالم من الجنون المطبق، أي: الدائم الذي لا أفاقة منه أبدا.

 

  أما إذا عقل المجنون، أو بلغ مستجمعا شروط التكليف الأخرى، ثم جنّ، ولم يكن مؤمنا، فقد وجب عليه الإيمان في فترة عقله، فإن لم يؤمن في تلك الفترة، ثم جنّ من جديد فمات، فإنه يدخل النار باعتباره كافرا، ومثله في الحكم: الكافر العاقل إذا جنّ ومات مجنونا، فإنه يدخل النار أيضا، لأنه لم يؤمن حين عقله، ولأن جنونه هذا بمثابة موته، أي: كأنه مات ساعة جنّ، فلذلك هو في النار.

 

  أما المجنون المسلم، أو: الذي ولد من أبوين كافرين، ثم جنّ قبل البلوغ، فإنه يدخل الجنّة، لانعدام التكليف أصلا.

 

الشرط الثالث ـ  سلامة الحواسّ:

 

  المراد بالحواسّ: الحواسّ الخمس التي هي: "السمع، والبصر،  واللمس، والشمّ، والذوق" وليس المطلوب شرعا للتكليف، سلامة كل هذه الحواسّ، بل المطلوب سلامة إحدى حاستيّ:" السمع والبصر" فقط، ولا عبرة ببقيّة الحواسّ، لقصور فائدتها وأهميتها في الإنسان.

 

  فإذا كان الإنسان سليم السمع، أي: سميعا، أو سليم البصر، أي: بصيرا، فقد توفّر في شرط من شروط التكليف بالإيمان، وذلك لأن تأثر العقل بالسمع والبصر، أشدّ من تأثره بالحواسّ الأخرى، إذا أنّ كلا من هاتين الحاستين، يتخطّى النطاق القريب من الإنسان، الى مجال أوسع، فالبصر يمتد.. والسمع يلتقط ويسترق.. من دون ملامسة، وها نحن نرى ونسمع عبر الأثير، من أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة، ما يحدث في أقصى الأرض، وهذا لا يمكن تحصيله بغير السمع والبصر من الحواسّ، وقد أشار الله تعالى الى أهمية هاتين الحاسّتين في مواضع في كتابه العزيز، حيث قرن بينهما، وخصّهما بالذكر من بن سائر الحواس، كقوله سبحانه:{ ولا تقف ما ليس لك به علم إنّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}، ولهذا كانت سلامة إحدى هاتين الحاستين، كافية لتزويد العقل بما يكفيه من الدلائل، لمعرفة الله تعالى، والإيمان به عز وجل.

 

الشرط الرابع ـ بلوغ الدعوة:

 

  إن شر "بلوغ دعوة الإسلام" الإنسان، ليكون مكلفا بالإيمان، هو قول عامّة العلماء، وقد خالف فيه من لا يعتدّ بخلافه، فمن لم يسمع بالإسلام مطلقا، ولم يصله خبر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن مكلفا، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأمره الى الله، ولهذا كان واجبا على المسلمين أن يقوموا بتبليغ العالم كله رسالة الإسلام، ولا يجوز لنا أن نقاتل قوما لم تبلغهم دعوة الإسلام بأيّ وجه من الوجوه.

 

فالمكلف بالإيمان هو: كلّ إنسان اجتمعت فيه هذه الشروط الأربعة، فإن آمن فقد اهتدى وفاز، وإن لم يؤمن فقد خاب وخسر خسرانا  مبينا، و" الإيمان" هو بحد ذاته الشرط الأول لتكليف المسلم بالتكاليف الشرعية العملية كلها، كما سنبيّن، وهي المسألة التالية.

 

***

 

ثانيا: شروط التكليف بالعبادات

 

  " العبادات" هي: الفرائض والواجبات الشرعية؛ التي أمر الله تعالى بها المؤمن، و" الشروط التكليف" بها تسمّى عند الفقهاء:" شروط الوجوب"، أي: الشروط التي يجب على المكلف فعل الأمر بتوفرها فيه. ففي " الصلا": يشترط لوجوبها على الإنسان، أن يكون: مسلما، بالغا، عاقلا، وأن تكون المرأة خالية عن حيض أو نفاس، فهي غير مكلفة بالصلاة أثناء ذلك، فلا قضاء عليها بعد حيضها.

 

  فتجب الصلاة وجوبا عينيا، على من توفرت فيه هذه الشروط، فيثاب على فعلها، ويعاقب على تركها، وعلى ترك غيرها من الفرائض أيضا.

 

  أما الكافر، فلا يطالب بالصلاة، ولا بغيرها من الفرائض في الدنيا، ولكنه سيعاقب على ترك الفرائض وفعل المحرمات، زيادة على العذاب جزاء كفره.

 

  وتجب " الزكاة" على: المسلم، الحرّ، مالك النصاب الشرعي بشروطه، فلا زكاة على "العبد" لانعدام الملكية، ولا يطالب بها الكافر في الدنيا، كما أشرنا، بل تؤخذ منه " الجزية" إن كان من

أهلها، على نحو ما بيّنه الفقهاء.

 

  ولم يشترط فريق من الفقهاء، البلوغ ولا العقل لوجوب " الزكاة"، فقالوا بوجوب "الزكاة" في مال الصبيّ والمجنون، يخرجها عنه وليّه.

 

  ويجب "الصيام" في شهر رمضان على: المسلم، البالغ، العاقل، الحر، المستطيع، على تفصيل في معنى الإستطاعة، مذكور في مواضعه، ليس هنا مجال بحثه.

 

  إن " التكليف" ليس شرطا للقيام بالواجبات فحسب، بل هو أيضا شرط لإقامة الحدودن ومعاقبة الجناة في حال وقوع عدوان على الدين، أو النفس، أو المال، أو العرض، أو العقل، فيشترط ـ مثلاـ  لمعاقبة الجاني: أن يكون "مكلفا"، فلا يعاقب المجنون، ولا النائم، وكذلك الصبيّ قبل البلوغ.

 

  أما أمر الصبيّ دون البلوغ، بالصلاة والصيام وغيرهما، فليس لأنها واجبة عليه، بل ليتعلم أداءها، ويمارسها قبل سنّ الوجوب، فيألف العبادة ويحبها، فلا يتركها بعد البلوغ، وكذلك نهي الصبي عن فعل المحرّمات.

 

  وعلى كل حال: فإن أمر الصغير بالواجبات، ونهيه وزجره عن المحرّمات، واجب على وليّ أمره، بل هو من أهم واجبات الأبوين تجاه أولادهما، وهو عماد التربية الصالحة.

 

 

 

2 -    طوارئ التكليف

 

  إن أهلية الإنسان قد تتعرّض لأمور طارئة، يفقد بسببها أهليته، لا يبقى مكلفا، وهذه الطوارئ تنقسم إلى قسمين هما: الطوارئ السماوية، والطوارئ المكتسبة، وإليك بيان ذلك:

 

القسم الأول: الطوارئ السماوية

 

  يراد بالطوارئ السماوية، الأمور المعترضة على الأهلية، التي تصيب الإنسان المكلف، فيفقد بها أهليته، من دون أن يكون له فيها أيّ اختيار أو كسب، وأهمّ هذه الأمور ما يلي:

 

1-    الجنون:

 

  عرّف علماء الأصول " الجنون" بأنه: " آفة باعثة للإنسان على أفعال تخالف مقتضى العقل، من غير ضعف في أعضاء المجنون".

 

  و" الجنون" قد يكون مطبقا، دائما مع الإنسان حتى الموت، وقد يكون متقطّعا، وقد يعرض مدة من الزمن، ثم يزول بالكليّة.

 

  وفي مطلق الأحوال: فإن "الجنون" مناقض للتكليف، فلا مسؤولية على المجنون مطلقا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، كما ذكرنا في شروط التكليف بالإيمان.

 

 

 

 

2-    العته:

 

  " العته" بفتح العين والتاء هو: آفة توجب خللا في العقل، فيصير صاحبه مختلطا، يشبه بعض كلامه كلام العقلاء، وبعضه كلام المجانين، وكذلك جميع أفعاله، تكون على هذا النحو من الاختلاط، وسبب هذا الإختلاط: نقصان عقله.

 

  و " المعتوه" لا تجب عليه العبادات، ولا تثبت في حقه العقوبات، أما سائر تصرفاته، ففي أحكامها تفصيل ليس هنا موضع بسطه.

 

3-    النسيان:

 

  " النسيان" معروف، وقيل في تعريفه: إنه " أمر يعرض للعقل، فيصرفه عن تذكر مطلوب، أو: عن فعل أمر لازم"، وهو مغافر في حقوق الله تعالى، فلا يترتب على نسيان واجب من الواجبات الشرعية إثم، كمن نسي صلاة ثم ذكرها، فإن عليه أن يصليها حين يذكرها، ولا إثم عليه في هذا النسيان، لقوله صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه :" من نسي صلاة، فليصلّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك"، وعن إبراهيم النخعي قال:" من ترك صلاةواحدة عشرين سنة، لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة"، أي: لم يجب عليه سوى قضائها كما هي، صلاة واحدة ولو تركها من دون قضاء، عشرين سنة.

 

  أما في حقوق العباد، فلا يكون النسيان عذرا فيها، فمن أتلف مال إنسان ناسيا، ضمن له قيمته، ولكن لا إثم عليه، لما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم:" رفع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه"، أي: رفع عنهم الإثم، إن فعلوا محرما خطأ، أو: بالإكراه، وسيأتي  تفصيل حكم " الإكراه" لاحقا، في "الطوارئ المكتسبة".

 

4-    النوم:

 

  "النوم" راحة للبدن، لقوله تعالى:{ وجعلنا نومكم سباتا}، وهو من آيات الله تعالى، الذي خلق "النوم" وهو شبيه بالموت، ويسمّى: "الموتة الصغرى"، ليكون راحة لبدن الإنسان من عناء السعي والعمل، قال تعالى:{ ومن آياته منامكم بالليل}.

 

  وقد عرّف علماء الأصول " النوم" بأنه:" عجز عن إستعمال القدرة لفترة عارضة"، فالإنسان النائم، لا يقدر على إستعمال حواسّه ليدرك المحسوسات، ولا يقدر أيضا على إستعمال نور العقل ليدرك المعقولات، ولا يقدر على أفعاله الإختيارية، كالقيام والقعود، والركوع والسجود.

 

  ويترتب على "النوم": تأخير الخطاب بأداء التكاليف، لوجود العجز، و"النوم" ينافي الإختيار أصلا، فلا عبرة بما يلفظه النائم من عبارات: الطلاق، والإسلام، والرّدّة، فمن طلّق زوجته وهو نائم، فلا يقع طلاقه، وإن أسلم كافر وهو نائم، فلا يعتبر إسلامه، وإن ارتدّ مسلم وهو نائم، فلا تعتبر ردّته، وقد جاء في الحديث الشريف الذي ذكرنا نصّه في "مرحلة الطفولة": أن القلم رفع عن النائم حتى يستيقظ.

 

  ويشبه "النوم" في كثير من أحكامه:" الإغماء" الذي هو: مرض يضعف القوى، ولا يزيل العقل، وهو أشد على القوى من النوم، لأن النائم إذا نبّه تنبّه، وليس كذلك المغمى عليه.

 

5-    الرّق:

 

  "الرّق" مشروع في الإسلام، ولا يكون إلا من سبايا القتال ضدّ الكفار، على نحو ما هو مفصّل في كتب الفقه، وقد شرع "الرّق" جزاء للكافر على كفره، لأن الكفار لما استنكفوا واستكبروا أن يكونوا عبيدا لله، فجازاهم الله تعالى بأن جعلهم عبيدا لعبيده.

 

  و"الرٌق": عجز حكمي، غير حقيقي، أي: إن الرقيق عاجز بحكم الشرع عن التصرفات، فهو مملوك ولا يملك، ولا تصح منه حجّة الإسلام، ولا تجب عليه صلاة الجمعة، وله أحكام أخرى مفصّلة في كتب الفقه.

 

  ونؤكد هنا: أنه لا عبرة مطلقا بزعم من يزعم، أن " الرّق" في الإسلام، غير مشروع دائما، وأصحاب هذا الزعم، جاهلون بنصوص الآيات القرآنية، وبالأحاديث النبوية، وبأقوال الأئمة الفقهاء، الذين أجمعوا على أن "الرّق" مشروع ولا يزال، وسيظل مشروعا الى قيام الساعة، وإن لم توجد الدولة التي تجري أحكامه.

 

  أما الزعم بأن " الرق" ينافي كرامة الإنسان وحريّة الإنسان، فهو زعم مردود من وجهين:

 

  أحدهما: أن الكافر لا كرامة له أصلا، إذ كيف يكون كريما من أهانه الله تعالى القائل:{ ومن يهن الله فما له من مكرم}، والإنسان لا يكون كريما عزيزا إلا بالإيمان، وبغير ذلك فلا كرامة ولا عزة.

 

 وثانيهما:  أن الذين يدّعون الغيرة على  "حرية الإنسان"، و"حقوق الإنسان"، من الأمم الكافرة، وعلى الأخص الدول الغربية كافة، هم كاذبون في دعواهم، لأن تاريخهم حافل بالمخازي والإضطهاد ضد " الإنسان" وكرامة الإنسان، والعالم لم ينس بعد: كيف كان يذهب تجار الرقيق، من بلاد أمريكا وأوروبا الى القارة الأفريقية، ويخطفون النساء والأولاد، ليبيعوهم عبيدا في بلادهم، وهم أحرار أولاد أحرار، وفيهم مسلمون نصارى.

 

6-    المرض:

 

  "المرض" هو: " حالة تعرض للبدن، يزول بها اعتدال الطبيعة"، وهو سبب من أسباب العجز، فلذلك شرعت العبادات عليه بقدر مكنته، فيصلي المريض قاعدا أو مستلقيا، كما يستطيع، ويسقط عنه وجوب الصيام والحج، إن كان مرضه يعجزه عنهما، وهناك أحكام كثيرة تتعلق بهذا الموضوع، مبسوطة في كتب الفقه.

 

7-    الموت:

 

  "الموت" شيء مخلوق، مناقض للحياة، قال تعالى:{ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير* الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور}.

 

  و"الموت" هادم لأساس التكليف، فينتهي به التكليف كله، ولا تكليف بعده مطلقا، بل هناك: حساب وجزاء.. فلذلك يطلب الإنسان الفاشل المقصّر أن يعود الى الدنيا، ليعمل صالحا كما قال عز وجل:{ حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: ربّ أرجعون* لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون}.

 

***

 

القسم الثاني: الطوارئ المكتسبة

 

  "الطوارئ المكتسبة" هي: التي تكون بإختيار العبد وكسبه، وأهمّها ما يلي:

 

1-    الجهل:

 

  "الجهل" كما عرّفه البعض هو:" إعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه" وهو ضدّ "العلم"، وإنما عدّ "الجهل" من العوارض المكتسبة، لأنه لما كان الإنسان قادرا على إزالته بتحصيل العلم، جعل كأنه اكتسبه.

 

  ولا شك في أن "الجهل" آفة خطيرة، لا يجني "الجاهل" منها سوى: البلاء والتخلف، وعمى القلب.

 

  وإن أسوأ أنواع الجهل وأضرّها هو: " جهل الكافر" بالله تعالى وصفاته وكماله، ووجوب الإيمان به عزّ وجلّ، فجهل الكافر باطل، ولا عذر له في كفره، لأنه مكابرة وجحود، بعد وضوح الدلائل على وحدانية الله تعالى، ورسالة الرسل، ولهذا سيعاقب في الآخرة بالعذاب الشديد الدائم أبدا، جزاء كفره وعناده، إذا مات على ذلك.

 

  و"الجهل" في أمور الدين، ليس عذرا للمسلم، مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كأركان الإسلام، والجهاد.. فمن جحد أمرا من هذه الأمور، أو استباح واستحلّ محرّما لعينه، كالزنا وشرب الخمر، فهو كافر، لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم.

 

  ولا عذر في "الجهل" إلا: لإنسان أسلم حديثا، حتى يمضي عليه وقت يمكنه فيه أن يتعلم أمور الدين، ولإنسان نشأ في بادية بعيدا عن الناس، فأمره كذلك، وما سوى ذلك فلا عذر بالجهل.

 

2-    الإكراه:

 

  "الإكراه" هو:" حمل الإنسان على ما يكرهه، ول ايريد ذلك الإنسان مباشرته، لولا إكراهه عليه"، وقد اتعبر "الإكراه" من العوارض المكتسبة، لأنه واقع بالإختيار، من الغير على الغير، ولأن " المكره" هو أيضا، مخيّر من "المكره" بين أمرين، وبإمكانه أن يفعل أحدهما.

 

  ولا شك أن للإكراه تأثيرا على أهلية الإنسان "المكره" وقد استوفى العلماء بحث في هذا الموضوع، فقسّموا الأحكام المتعلقة بإجابة طلب "المكره"، أي: تنفيذ ما طلبه، إلى ثلاثة أقسام هي:

 

 

القسم الأول ـ ما يكون العمل به فرضا:

 

  هناك حالات يجب على المكره ، أن يفعل ما طلبه منه مكرهه ولو كان محرما، كأن يكرهه على أكل لحم الميتة أو شرب الخمر، وإلا فيؤذيه بما لا يطيق، ففي هذه الحالة يحب على المكره أن يلجأ الى الإجابة، فيأكل الميتة ويشرب الخمر، ولو صبر حتى مات عوقب عليه، لأنه كان قادرا على إنقاذ نفسه، فلم يفعل، بل ألقى بها في الهلاك، وإن أكل أو شرب فهو مثاب.

 

القسم الثاني ـ ما يكون العمل به حراما:

 

  وهناك حالات أخرى لا يجوز إجابة طلب المكره، كأن يكون الإكراه على قتل النفس المعصومة، أو: على الزنا، فلا يجوز للمكره أن يقتل أو يزني، لأن فعل هذين الأمرين حرام، وفيه عدوان على الغير، بل عليه أن يصبر حتى يموت فيكون شهيدا، ولأن قتل المسلم، لا يحلّ لضرورة ما، كما أنه لا فضل لنفسه على نفس غيره، وكذلك "الزنا"، فهو محرّم لا يحلّ لأي ضرورة، فإن زنى ولو مكرها فهو آثم، وعليه حدّ الزنا، إذا توفّرت شروطه الشرعية.

 

القسم الثالث ـ ما يكون العمل به جائزا:

 

  وذلك كالإكراه على الكفر، بأي سبب كان، من أسباب الكفر، شرط أن يكون الإكراه ملجئا الى إجابته، فالمكره، هنا مخيّر، فإن شاء صبر وثبت، فإن قتل فهو شهيد، وإن شاء أجرى الكفر على لسانه، وقلبه مطمئن بالإيمان، إنقاذا لحياته، ولا مؤاخذة عليه، لقوله عز وجل:{ من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم}.

 

3-    الهزل

 

  "الهزل" ضد " الجدّ"، وهو: ما يكون لعبا محضا من القول، وللعلماء في بيان أحكام "الهزل" تفصيل واسع بديع، ليس هنا موضع  بسطه ولكن: يكفي أن نشير إلى أن "الهزل" يؤثر على بعض التصرفات فيبطلها، ولا يؤثر على البعض الآخر، فتصحّ مع "الهزل"، ومن أشهر هذه الأمور: ما ورد في الحديث الشريف، الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" ثلاث جدّهنّ جد، وهزلهنّ جدّ: النّكاح، والطلاق، والرّجعة" أي: مراجعة الزوجة بعد طلاق رجعي، فهذه التصرّفات صحيحة ومعتبرة، ولو كانت بالهزل فعلا.

 

  و"الهزل" في الرّدّة" كفر، أي: إذا تلفظ بألفاظ الكفر هزلا، يصير كافرا، وهذا أمر خطير يقع فيه كثير من الناس وهم جاهلون، وإليك بيانه:

 

  إن "الهزل" في التلفظ بألفاظ الكفر، أو بفعل ما هو كفر، كسجود لصنم، يعتبر ردّة وكفرا، ولو كان  لا يعتقد بما يقول، لأن كفره، ليس يلفظ هزل به من غير إعتقاد، ولكنه كفر بعين الهزل"، لكونه استخفافا بالدين، وهو كفر، لقوله تعالى:{ قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون* لا تعتذروا اليوم قد كفرتم بعد إيمانكم}، ولأن الهازل جادّ في نفس "الهزل"، مختار راض، فيكون هزله بذاته كفرا، سواء عليه أعتقد ما هزل به أم لم يعتقده.

 

  ومن هذا القبيل: ما يعرف اليوم بـ "التمثيل" في المسرحيّات والأفلام ـ المسمّاة ـ دينية حيث يتقمّص الممثل شخصية أبي جهل وأبي لهب، ويطلق لسانه بالكفر.. والعياذ بالله تعالى.. زاعمين أن هذا "تمثيل".. وأيضا: هم يمثلون الفجور.. وشرب الخمور.. ويمارسون الدعارة أمام الناس.. كل ذلك بزعم :" التمثيل".. وبإسم الإسلام..

 

  وهنا نسأل: هل "التمثيل" عذر شرعي، يبيح النطق بالكفر، وسب الرسول صلى الله عليه وسلم، والرقص العاري.. ومعانقة النساء.. وغير ذلك من المنكرات التي يرتكبونها؟؟..

 

  إن الجواب معروف قطعا هو النفي مطلقا، ولكنّ هؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى:{ الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}.

 

  لقد سبق في " الإكراه" بيان: أنه لا يجوز إجراء لفظ الكفر إلا للمكره، شرط أن يكون قلبه مطمئن بالإيمان،.. وما سوى ذلك فلا.. ونعوذ بالله من "الجهل" .. و" آباء الجهل".. في كل زمان ومكان..

 

4-    الخطأ:

 

  "الخطأ" لغة: ضد "الصواب"، وفي إصطلاح العلماء:" وقوع الشيء على خلاف ما أريد"، وهو عذر صالح لسقوط حق الله تعالى، إذا حصل عن اجتهاد، فإن أخطأ "المجتهد" في الفتوى بعد إستفراغ جهده، لا يكون إثما، بل يستحق أجرا واحدا، لما جاء في الحديث الشريف، الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما، عن عمرو بن العاص، رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر"، والمراد به: العالم المستجمع شروط الإجتهاد، لا الذي يحكم عن جهل، أو يخالف الحق الذي يعرفه.

 

  ويصير " الخطأ" شبهة في العقوبة، فلا يأثم المخطئ، ولا يؤخذ بحدّ أو قصاص، كمن قتل إنسانا خطأ، لقوله تعالى:{وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة وديّة مسلمة إلى أهله إلا أن يصّدّقوا}، وسبق في الكلام على "النسيان" ذكر الحديث الشريف:" رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه"، أي: رفع عنهم إثم المحرّم إذا فعلوه خطأ، أو نسيانا، أو إكراها، على نحو ما بيّناه في موضعه.

 

  ولكنّ " الخطأ" لا يكون عذرا في حقوق العباد، فإذا أتلف أحد مال آخر خطأ، وجب عليه الضمان، ووجبت الدية في القتل الخطأ كما ذكرنا.

 

5-    السكر:

 

  يقسّم الفقهاء أحكام "السكران" إلى قسمين:

 

1-    إذا سكر بمباح:

  وذلك كشرب دواء مسكر كالبنج، أو: سكر من شرب الخمر مكرها، أو مضطرا، فحكم "السكران" هذا، حكم المغنى عليه، فلا يقع طلاقه، ولا تعتبر سائر تصرّفاته، وهذا مجمع عليه بين العلماء.

 

2-    إذا سكر بمحرّم:

  وذلك كشرب الخمر من غير إكراه ولا ضرورة، فإن جمهور الفقهاء يقولون بصحّة عبارته، في الطلاق والبيع والشراء، فيقع طلاقه على زوجته، ولكن لا تصحّ ردّته، فإذا ارتدّ السكران ولو سكر بمحظور، وتكلّم بكلمة الكفر، فلا يحكم بكفره، لأن الرّدّ عبارة عن تبدّل الإعتقاد، وهو غير معتقد لما يقول، بل هو لا يعي أساسا ما يقول، كالمغمى عليه.