في استحباب تذكر القبور والتفكير في أحوالهم وذكر أحوال السلف في ذلك
517- خرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " استحيوا من الله حق الحياء قالوا : إنا نستحي والحمد لله , قال ليس ذلك ولكن الإستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى , وأن تحفظ البطن وما حوى , ولتذكر الموت والبلى , ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء " .
518- وخرج الطبراني نحوه من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه مسلم : أنه قال ذلك على المنبر والناس حوله وقال فيه " وليذكر القبور والبلى " , فما زال يردد ذلك عليهم حتى سمعهم يبكون حول المنبر ". وخرجه أيضاً بنحوه من حديث الحكم بن عمير عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ويروى نحوه من حديث الحسن مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم .
519- وخرج الترمذي والحاكم من من حديث أسماء بنت عميس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بئس العبد عبد تخيل واختال , ونسي الكثير المتعالي , بئس العبد عبد تجبر واعتداء ونسى الجبار الأعلى , بئس العبد عبد سهى ولهى ونسي المقابر والبلى , بئس العبد عبد عتى وطغى , ونسي المبتدىء والمنتهى , بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين , بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات , بئس العبد عبد طمع يقوده , بئس العبد عبد هوى يضله , وبئس العبد عبد رغب يذله " .
وخرج الطبراني من حديث نعيم بن همار الغطفاني نحوه .
520- وخرج ابن أبى الدنيا بإسناد عن الضحاك قال : قال رجل يا رسول الله من أزهد الناس ؟ قال : "من لم ينس القبر والبلى , وترك فضل الدنيا [ الدنية ] وآثر ما يبقى على ما يفنى , ولم يعد غداً من أيامه , وعد نفسه من أهل القبور " .
521-وخرج الترمذي من حديث ابن عمر قال : " أخذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال : " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل, ]وعد نفسك من أهل [ ". وخرج البخاري أوله.
522- وروى ابن أبي الدنيا بإسناد عن أبي سريج الشامي قال : قال عمر بن عبد العزيز لرجل من جلسائه : يا فلان قد أرقت الليل متفكراً , قال : فيما يا أمير المؤمنين ؟ قال في القبر وساكنه , لو رأيت بعد ثالثه في القبر لاستوحشت من قربه بعد طوال الأنس منك بناحيته , ولرأيت بيتاً تجول فيه الهوام , ويجري فيه الصديد وتخترقه الديدان مع تغير الرائحة وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الرائحة ونقاء الثوب قال : ثم شهق شهقة خر مغشياً .
523- وعن محمد بن كعب القرظي قال : بعثت إلى عمر بن عبد العزيز فقدمت إليه فأدمت النظر إليه فقال : يا ابن كعب إنك لتنظر إلي نظراً ماكنت تنظره إليَّ بالمدينة قلت : أجل يا أمير المؤمنين , يعجبني ما حال من لونك وما حال من جسمك قال : فكيف بك يا ابن كعب لو رأيتني بعد ثالثة في القبر , وقد ثبتت عيناي على وجنتي , وخرج الصديد والدود من منخري , لكنت لي أشد نكرة .
524- وعن وهب بن الورد قال : بلغنا أن رجلاً فقيهاً دخل على عمر بن عبد العزيز فقال : سبحان الله ,كأنه تعجب من أمره الذي هو عليه , وقال له : تغيرت بعدنا ! فقال له : وبينت ذلك فعلاً ، فقال له : الأمر أعظم من ذلك , فقال له : يافلان فكيف لو رأيتني بعد ثلاث , وقد أدخلت قبري ، وقد خرجت الحدقتان فسالت على الخدين وتقلصت الشفتان عن الأسنان , وانفتح الفم , ونتأ البطن فعلا الصدر , وخرج الصديد من الدبر .
525- وعن شبية ابن أبي حمزة قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض مدائن الشام : أما بعد فكم للتراب في جسد ابن آدم من مأكل , وكم للدود فيه من طريق مخترق , وإني أحذركم ونفسي - أيها الناس - العرض على عز وجل .
526- وروى أبو نعيم الحافظ بإسناده أن عمر بن عبد العزيز شيع مرة جنازة من أهله , ثم أقبل على أصحابه ووعظهم , فذكر الدنيا فذمها وذكر أهلها , وتنعمهم فيها , وما صاروا إليه بعدها من القبور , فكان من كلامه أنه قال : إذا مررت بهم فنادهم إن كنت مناديا , وادعهم إن كنت داعياً ومر بعسكرهم , وانظر إلى تقارب منازلهم , سل غنيهم : ما بقي من غناه ؟ وسل فقيرهم : ما بقي من فقره ؟ واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون ، وعن الأعين التي كانوا للذات بها ينظرون ، وسلهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنع بها الديدان تحت الأكفان ، وأكلت اللحان وعفرت الوجوه ، ومحت المحاسن ، وكسرت الفقارة ، وبانت الأعضاء ، ومزقت الأشلاء ، وأين حجابهم وقبابهم ؟ وأين خدمهم وعبيدهم وجمعهم وكنوزهم [ وكأنهم ] ما وطئوا فراشاًولا وضعوا هنا متكأ ، ولا غرسوا شجراً ولا أنزلوهم من اللحد قراراً ، أليسوا في منازل الخلوات؟
أليس الليل والنهار عليهم سواء ؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء ، قد حيل بينهم وبين العمل ، وفارقوا الأحبة ، وكم من ناعم وناعمة أضحوا ووجوههم بالية ، وأجسادهم من أعناقهم بائنة ، أو وصالهم ممزقة ، وقد سالت الحدق على الوجنات ، وامتلأت الأفواه دماً وصديداً ، ودبت دواب الأرض في أجسادهم ، ففرقت أعضاءهم ، ثم لم يلبثوا إلا يسيراً حتى عادت العظام رميماً ، فقد فارقوا الحدائق وصاروا بعد السعة إلى المضائق ، قد تزوجت نساءهم ، وترددت في الطرق أبناؤهم ، وتوزعت القرابات ديارهم وقراهم ، فمنهم والله الموسع له في قبره الغض الناظر فيه المتنعم بلذته ، يا ساكن القبر غداً ما الذي غرك من الدنيا أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد ؟ وأين ثمارك الينعة ؟ وأين رقاق ثيابك وأين طيبك ونحورك ، وأين كسوتك لصيفك ولشتاءك ؟؟ أما رأيته قد زل به الأمر ، فلما يدفع عن نفسه دخلاً وهو يرشح عرقاً ويتلمظ عطشاً ، يتقلب في سكرات الموت وغمراته ، جاء الأمر من السماء ، وجاء غالب القدر والقضاء ، هيهات : يا مغمض الوالد والأخ والولد ، وغاسله ، يا مكفن الميت ويا مدخله في القبر ، وراجعاً عنه ، ليت شعري بأي خديك بدأ البلى يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموت ، ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا وما يأتيني به من رسالة ربي .
ثم انصرف فما عاش بعد ذلك إلا جمعة .
527- وقد روي عنه من وجوه متعددة أنه قال في آخر خطبة خطبها - رحمة الله عليه - " ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين ، ثم يرمها بعدكم الباقون كذلك حتى يرد إلى خير الوارثين ، وفي كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً قد قضى نحبه فتودعونه ، وتدعونه في صدع من الأرض غير ممهد ولا موسد ، قد فارقه الأحباب وخلع الأسباب وسكن التراب ، وواجه الحساب ، غنياً عما خلف ، فقيراً إلى ما قدم .
وكان ينشد هذه الأبيات :
من كان حين تصيب الشمس جبهته أو الغبار يخالف الشين والشعثا
و يألف الظل كي تبقى بشاشته فكيف يسكن يوماً راغماً جدثاً
في ظل مقفرة غبراء مظلمة يطيل تحت الثرا في غمه اللبثا
تجهزي بجهاز تبلغين به يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا
528- وروى ابن أبي الدنيا أن محمد بن واسع دخل على بلال بن أبي بردة فسأله عن القدر فقال له : جيرانك من أهل القبور فكر فيهم فإن فيهم شغلاً عن القدر .
529- وعن مغيث الأسود الزاهد قال : زوروا القبور كل يوم تفكركم .
530- وقال النصر بن المنذر لإخوانه : زوروا الآخرة بقلوبكم ، وشاهدوا الموقف بتوهمكم ، وتوسدوا القبور بقلوبكم ، واعلموا أن ذلك كائن لا محالة ، فاختار لنفسه [ امرؤ ] ما أحب من المنافع والضرر .
531- وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت مضر بن عيسى يقول : رحم الله قوماً زاروا إخوانهم بقلوبهم في قبورهم وهم قيام في ديارهم ، يشيرون إلى زيارتهم بالفكر في أحوالهم .
532- وعن عبد الله بن المبارك : مر برجل راهب عند مقبرة ومزبلة ، فناداه . فقال : يا راهب إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر : كنز الأموال وكنز الرجال .
533- وقال ابن أبي الدنيا : ثنا محمد الصبغي قال : انتفض غنام بن علي يوماً وهو مع أصحابه فقال له بعضهم : ما الذي أصابك ؟ قال : ذكرت اللحد .
534- قال : وحدثنا محمد بن أحمد قال : قال هشام الدستوائي : ربما ذكرت الميت إذا كفن في أكفانه فأعظ نفسي .
535- ومما يروى لابن المبارك :
إن الذي دفن الأباعد و الأقربين صاعداً فصاعداً
عساك يوماً تذكر الملاحدا يا من يرمي أن يكون خالدا
شربت فاعلمه حديداً بارداً لا بد تلقى طيباً و زائداً
536- قال ابن أبي الدنيا : أنشدني الحسين بن عبد الرحمن :
لبيك لأهوال القيامة من بكى و لا تنسين القبر يوما و لا البلى
كفى حزناً يوماً ترى فيه مكرما كرامته أن يرتدوا جسمه الثرى