الباب الحادي عشر
في ذكر زيارة الموتى والاتعاظ بهم
455-وخرج مسلم في صحيحه من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ] فإنها تذكركم الآخرة[ ".
456- وخرجه الإمام احمد بلفظ آخر : " فزوروها فإن في زيارتها عبرة وعظة ".
457- وخرجه أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال : " فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة " .
457- وخرج الإمام أحمد من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نهيتكم عن زيارة القبور ، ثم بدا لي أنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة فزوروها ولا تقولوا هجراً " .
458- وخرج مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي فزوروها فإنها تذكر الموت " .
469- وخرج الحاكم من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من زار القبور تذكر بها الآخرة ، وغسل الموتى فإن معالجة جسد الميت وعظة بليغة، وصل على الجنائز ؛ لعل ذلك يحزنك ، فإن الحزين في ظل الله تعالى يتعرض كل خير " .
460- وخرج ابن أبي الدنيا بإسناده عن ثابت البناني قال بينما أنا أمشي في المقابر إذ أنا بهاتف من واد : يا ثابت لا يغرنك سكوتها فكم من مغموم فيها قال : فلتفت فلم أجد أحداً .
461- وبإسناد عن بشر بن منصور قال : قال لي عطاء الأزرق : إذ حضرت المقابر فليكن قلبك فيمن أنت بين ظهرانيه فإني بينما أنا نائم ذات ليلة في المقابر تفكرت في شيء فإذا أنا بصوت يقول : إليك يا غافل إنما أنت بين ناعم في نعمته يتذلل أو معذب في سكراته يتقلب .
462- وبإسناده عن صالح المري قال : دخلت المقابر [ يوماً ] في شدة الحر فنظرت إلى القبور خامدة كأنهم قوم سموت فقلت : [ يا ] سبحان الله من يجمع بين أرواحكم وأجسادكم بعد افتراقها يحيكم وينشركم من بعد طول البلى قال فنادني مناد من بين تلك الحفر : يا صالح { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } قال : وسقط والله لوجهي جزعاً من ذلك الصوت .
463- وبإسناد له أن عمر بن عبد العزيز خرج مع جنازة فلما دفنها ]قال : دعوني حتى آتي قبور الأحبة قال : فأتاهم فجعل يدعوا ويبكي إذ هتف به التراب: يا عمر لا تسألني عما فعلت بلأحبة وما فعلت بهم ؟ قال : مزقت الأكفان واكلت اللحم ، شدخت المقتلين ، وأكلت الحدقتين ، ونزعت الكفين من الساعدين ، والساعدين من العضلين والعضلين من المنكبين ، والمنكبين من الصلب ، والقدمين من الساقين ، والساقين من الفخذين ، والفخذين من الورك ، والورك من الصلب ، قال : وعمر يبكي فلا أراد أن ينهض قال له التراب : يا عمر ألا أدلك على أكفان لا تبلى ؟ قال : وما هي : تقوى الله والعمل الصالح .
464- وبإسناده أن أبا الدرداء مر بين القبور فقال : يا تراب ما أسكن ظواهرك ، وفي داخلك الدواهي .
465- وبإسناده له عن ميمون بن مهران قال : خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقابر فلما نظر إلى القبور بكى ثم قال يا أيوب هذه قبور أبائي بني أمية ، كأنهم لم يشركوا أهل الدنيا في لذاتهم وعيشتهم ، أما تراهم صرعي فدخلت بهم المثلات ، واستجكم فيهم البلاء ، فأصابت الهوان في أبدانهم مقيلاً ، ثم بكى حتى غشي عليه ثم أفاق فقال : فانطلق بنا فوالله ما أعلم أحداً أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله عز وجل .
466- عن ثابت البناني أنه دخل المقابر فبكى فقال : بليت أجسامهم وبقيت أخبارهم فالعهد قريب ، واللقاء بعيد . وعن بعض الأعراف أنه وقف على قبر وأنشد في المعنى :
لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون القبور تزيد
وما إن ترى داراً لحي قد أقفرت وقبر لميتة بالفناء جديد
فهم جيرة الأحياء أما محلهم فدان وأما الملتقى فبعيد
وعن بعضهم أنه مر في سفره بمقبرة لبعض المدن فقال :
كفى حزناً أن لا ببلدة من الأرض إلا دون مدخلها قبر
467- وعن جعفر بن سليمان قال : كنا نخرج مع مالك بن دينار زمان الحطمة فنجمع الموتى ونجهزهم فيخرج مالك على حمار قصير لجامه من ليف وعليه عباءة مرتديها فيعظنا في الطريق حتى إذا أشرف على القبور قال بصوت له محزون رحمة الله عليه نفعنا الله بأقرب الخلق إليه :
إلا حي القبور ومن بهنه وجوه في التراب أجبنهنه
ولو أن القبور أجبن حياً إذاً لأجبتني إذا نصته
ولكن القبور صمتن عني فأنت تحسره من عند هنه .
قال حدثنا يحيى عن عبد الله بن جعفر بن سليمان امير البصرة فمر به رجل كان يعظ الناس فقال له عبد الله : عظني ببيت من الشعر فقال :
إذا ثوى في القبور ذو خطره فذره فيها ولا تنظر إلى خطره
فبكى عبد الله بن جعفر وكان ابن السماك يتمثل بهذا البيت ويزيد فيه بيتاً آخر :
أبرزه الموت من مساكنه ومن مقاصيره ومن حجره
468- قال ابن أبي الدنيا ثنا إسماعيل بن عبد الله العجلي قال : أنشدنا رجل ونحن بالمقابر :
ألا يا عسكر الأحياء هذا عسكر الموتى
أجابوا الدعوة الصغرى وهم ينتظرون الكبرى
يحثون على الزاد وما زاد سوى التقوى
يقولون لكم جدوا فهذا آخر الدنيا
479- قال : وحدثنا أبو الفضل بن جعفر ثنا غزوان بن عبد الرحمن بن غزوان قال : كنت جالساً مع أبي بالبصرة إذ أقبل شيخ على حمار في عنقه حبل ليف والشيخ حاف ، عليه صوف حتى وقف علينا فسلم على أبي فأحفى أبي بالمسلة به وقال : من أين أقبلت ؟ قال : فكرت في أهل هذا العسكر ليلاً فغدوت عليهم فقلت:
وعظتك أحداث صمت ، وبكل ساكنة حفت
وتكلمت عن أعظم ابتلاء وعن صور سهت
وأرتك قبرك في القور و أنت حي لم تمت .
ثم ولى غير بعيد ، ثم أقبل فقال : ولربما انصرفت الشمات فحل بالقوم الشمت فقلت : هذا الشيخ هو أبو العتاهية و الأبيات معروفة .
470- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلام بن صالح قال : فقد الحسن ذات يوم فلما أمسى قال له أصحابه : أين كنت ؟ قال : كنت اليوم عند إخوان لي إن نسيت ذكروني ، وإن غبت عنهم لم يغتابوني ، فقال له أصحابه : نعم الإخوان والله هؤلاء يا أبا سعيد دلنا عليهم قال : هؤلاء أهل القبور.
471- وبإسناده عن عبد الواحد بن زيد أن الحسن قال لأصحابه ، وهم في المقابر هم أهل محلة قد كفى من جلس إليهم الكلام وله في الجلوس إليهم الموعظة و الاعتبار .
472- وروى بإسناد منقطع أن علي بن أبي طالب قيل له : ما شأنك جاورت المقبرة ؟ قال إني أجدهم جيران صدق يكفون الألسن ويذكرون الآخرة .
473- وبإسناده عن عمارة المغربي قال : قال لي محمد بن واسع : ما أعجب إلى منزلك قلت ! وما يعجبك من منزلي وهو عند القبور ؟! قال : وما عليك يكفون الأذى ، ويذكرون الآخرة .
474- وبإسناده عن ميمون بن مهران قال : قال أبو الدرداء : إن لكم تعانينه الدارين لعبرة ، تزورونهم ولا يزورونكم ، وتنتقلون إليهم ولا ينتقلون إليكم يوشك أن تستفرغ هذه ما في هذه .
475- وبإسناده عن الحسن بن عثمان بن أبي العاص كان في جنازة فرأى قبراً خاسفاً فقال لرجل من أهله : يا فلان تعالى انظر إلى بيتك الذي هو بيتك قال : فقال : ما أرى في بيتي طعاماً ولا شراباً ولا ثياباً ، قال فإنه بيتك قال : صدقت ، قال : فرجع فقال : والله لأجعلن ما في بيتي هذا في بيتي ذاك ، قال الحسن : هو والله التشدد و الهلكة والله لتبصرن أو لتهلكن ، وفي رواية قال : أراه ضيقاً يابساً مظلماً ليس فيه طعام ولا شراب ولا زوجة وقد نزلت بيتاً فيه طعام وشراب وزوجة قال : قال : والله بيتك ، قال : وصدقت أما والله لو قد رجعت نقلت من ذلك إلى هذا.
476- وعن ابن شوذب قال : اطلعت امرأة إلى قبر فرأت اللحد فقالت لامرأة معها : ما هذا ؟ يعني اللحد ، قالت : هذا كندوج العمل ، قال : وكانت تعطيها الشيء وتقول : اذهبي فضعي هذا في كندوج العمل .
477- وعن الحسن أنه مر على مقبرة فقال : يا لهم من عسكر ما أسكتهم ، وكم فيهم من مكروب.
478- وعن الفضل الرقاشي أنه كان إذا ذكر زهد في الدنيا يقول : مررت بالمقابر فوقفت فناديت : يا أهل الشرف والغناء والتباهي ، يا أهل اللباس والنجدة والأمن والزجول و يا أهل المسئلة والحاجة والفاقة ويا أهل النسك والإخبات والإنابة والاجتهاد فما ردت على فرقة منهم ، ولعمري إن لم يكونوا أجابوا جواباً لقد أجابوا اعتباراً .
489- وعن مالك بن دينار قال : خرجت أنا وحسان بن أبي سنان نزور المقابر فلما أشرف عليها سبقته عبرته ، ثم أقبل عليّ فقال : يا يحيى هذه عساكر الموتى ينتظرون بها من بقي من الأحياء ثم يصاح بهم صيحة ، فإذا هم قيام ينظرون ، فوضع مالك يده على رأسه ، وجعل يبكي .
480- وعن عاصم الحيطي قال : كنت أمشي مع محمد بن واسع ، فأتينا المقابر، فدمعت عيناه ، ثم قال : يا عاصم لا يغرنك ما ترى من خمودهم ، فكأنهم وقد وثبوا من هذه الأجداث ، فمن بين مسرور ومهموم .
481- وعن ابن السماك قال : لا يغرنك سكوت هذه القبور فما أكثر المغمومين فيها ولا يغرنك آسفووها فما أشك بقاهم فيها .
482- وعن أبي حازم الأعرج أنه شهد جنازة فوقف على شفير القبر فجعل ينظر إليه ثم رفع رأسه فقال لبعض أصحابه : ما ترى قال : أرى حفرة يابسة وأرى جنادل ، قال أبو حازم : أما والله لتحمدنه إلى نفسك أو لتكونن معيشتك فيه معيشة ضنكاً فبكى بكاءاً شديداً .
483- وعن حسين الجعفي قال : أتى رجل قبراً محفوراً ، فاطلع في اللحد ، فبكى واشتد بكاؤه قال : أنت والله بيتي حقاً ، والله إن استطعت لأعمرنك .
484- وعن عطاء السلمي أنه كان إذا جن عليه الليل خرج ، فوقف على القبور ، ثم قال : يا أهل القبور متم فوا موتاه ثم بكى ثم قال : يا أهل القبور عاينتم ما علمتم فوا عملاه ثم يبكي فلا يزال كذلك حتى يصبح .
485- وعن علي بن أحمد قال : كان الأسود بن كلثوم يخرج إلى المقابر إذا هدأت العيون ، فيقول . يا أهل الغربة والتربة ، يا أهل الوحدة والبلى ، ثم يبكي حتى يكاد يطلع الفجر ، ثم يرجع إلى أهله .
486- وعن ثابت البناني قال : دخلت المقابر فقلت : يا أهل القبور ، فلم يجبني أحد ، ثم قلت : يا أهل القبور ، فلم يجبني أحد ، ثم أجاب عقلي : نحن مثلك كنا وأنت وكما نكون نحن تكون .
487- قال ابن أبي الدنيا وحدثنا إبراهيم بن سيار قال : قيل لبعض حكماء العرب ما أبلغ العظات ، قال : النظر إلى محلة الأموات ويروى نحو هذا الكلام عن عمر بإسناد ضعيف .
488- وكان العمري الزاهد يلازم المقابر ومعه كتاب لا يفارقه فقيل له في ذلك ، قال : ما شيء أوعظ من قبر ولا آنس من كتاب ولا أسلم من الوحدة .
490- وقال أبو محرز الطفاوي كفتك القبور مواعظ الأمم السالفة .
491- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن محمد بن صالح التمار قال : كان صفوان بن سليم يأتي البقيع في الأيام ، فمر بي فاتبعته ذات يوم وقلت والله لأنظرن ما يصنع قال والله فرفع رأسه وجلس إلى قبر منها فلم يزل يبكى حتى رحمته قال : ظننت أنه قبر بعض أهله , قال فمر بي فأتبعته فقعد إلى جنب قبر غيره فقال مثل ذلك , قال : فذكرت ذلك لمحمد بن المنكدر وقلت : إني ظننته أنه قبر بعض أهله , وقال محمد : كلهم أهله وأخوان إنما هو رجل يحرك قلبه بذكر الأموات كلما عرضت له قسوة ، ثم جعل محمد بن المنكدر يمر بي فيأتي البقيع فسلمت عليه ذات يوم ، فقال : ما يقنعك موعظة صفوان ؟ قال : فظننت أنه انتفع بما ألقيت إليه منها .
492- وعن مطرف الهذلي قال : كانت عجوز متعبدة في عبد القيس فعوتبت في كثرة إتيانها ، فقالت : إن القلب القاسي إذا جف لم يلينه إلا رسوم البلى وإني لآتي القبور وكأني أنظر إليهم قد خرجوا من بين أطباقها ، وكأني أنظر إلى تلك الوجوه المعفرة , وإلى تلك الأجسام البالية المقفرة ,وإلى تلك الأكفان الدلسة فيا له من منظر.
493- ولأبى العتاهية :
إني سألت التراب : ما فعلت بعدي بجسد وقع فيه الدود متعفرة
فأجابني : صيرت ريحهم يؤذيك بعد روائح عطرة
وأكلت أجساداً منعمة كان النعيم يهزها نضرة
لم يبق غير جماجم عريت بيض تلوح أو أعظم نخرة
494- قال ابن أبي الدنيا ثنا محمد بن الحسين قال : قال أبو إسحاق : شهدت جنازة رجل من إخواني منذ خمسين سنة فلما دفن وسوي عليه التراب وتفرق الناس ، جلست إلى بعض تلك القبور ففكرت فيما كانوا فيه من الدنيا وانقطاع ذلك كله عنهم فأنشدت أقول :
سلام على أهل القبور الدوارس كأنهم لم يجلسوا في المجالس
ولم يشربوا من بارد الماء شربة ولم يأكلوا من بين رطب ويابس
ألا خبروني : أين قبر ذليلكم وقبر العزيز الباذخ المتمارس
وغلبتني عيناي فقمت وأنا محزون .
495- قال ابن أبي الدنيا وأنشد الرياشي رحمه الله تعالى أبياتاً خمسة فقال :
تهيج منازل الأموات وجدا ويحدث عن رؤيتها اكتئاب
منازل لا يجيب حين تدعو وعز عليك أنك لا تجاب
وكيف يجيب من تدعوه ميتاً تضمنت الجنادل والتراب
مقيم إلى أن يبعث الله خلقه لقاؤك لا يرجى وأنت قريب
تزيد بلى في كل يوم وليلة وتنسى كما تبلى وأنت حبيب
496- وروى أبو نعيم بإسناد له أن داود الطائي اجتاز على مقبرة وامرأة عند قبر تقول هذين البيتين فسمعها فكان ذلك سبب توبته يعني سبب انقطاعه عن الدنيا وأسبابها وانشغاله بالآخرة والاستعداد لها . وسمع بكر العابد امرأة عند قبر تقول:
واعمراه ليت شعري بأي خديك ] بدأ ] البلى وأي عينيك سالت قبل الأخرى ، فخر بكر مغشياً عليه . أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب " ذكر الأموات " .
497- وروى في كتاب " الخائفين " عن محمد بن الحسين عن عبد الله بن موسى قال :كان الحسين بن صالح إذا صعد المنارة - يعني ليؤذن - أشرف على المقابر فإذا نظر إلي الشمس تمور على القبور صرخ حتى يسقط مغشياً عليه ، فيحمل وينزل به ، وشهد يوماً جنازة فلما قرب الميت ليدفن نظر إلى اللحد فارتاع عرقاً ، ثم مال ، فغشي عليه ، فحمل على سرير الميت ، فرد إلى منزله .
498- وذكر بإسناد عن عيسى بن يونس - وذكر الحسين بن صالح - فقال : قل ما كنت أجيء في وقت صلاة إلا رأيته مغشيا عليه ينظر إلى المقبرة فيصرخ ويغشى عليه .
499- وبإسناده عن عمر بن درهم القريعي دخل المقابر وهو معصوب العين وابنه يقوده فوطىء على قبر وقال يا بني أين أنا ؟ قال في الجبان يا أبتاه قال : هاه ثم خر ميتا فحمل إلى أهله من المقابر ميتا ، فغسل ، ثم رد إلى المقابر، فدفن .- وروى في كتاب " القبور" بإسناد له أن امرأة بالمدينة كانت تزهو فدخلت يوما المقابر ، فرأت جمجمة ، فصرخت ثم رجعت منيبة ، فدخل عليها نساؤها فقلن ما هذا ؟ فقالت : بكى قلبي لذكر الموت لما رأيت جماجم خوف القبور، ثم قالت : أخرجن من عندي فلا تأتين منكن امرأة إلا امرأة ترغب في خدمة الله عز وجل ثم أقبلت على العبادة حتى ماتت .
500- وبإسناده عن عيسى الخواص أن رجلا من الصدر الأول دخل المقابر ، فمر بجمجمة بادية من بعض القبور ، فحزن حزنا شديدا ، ثم واراها ، ثم التفت فلم ير إلا القبور ، فحدث نفسه فقال : لو كشفت عن بعضهم فسألته ما رأى قال فأتى في منامه فقيل له : لا تغتر بتشييد القبور من فوقهم ، فإن القوم بليت خدودهم في التراب فمن بين مسرور ينتظر ثواب الله عز وجل وبين مغموم آسفا على عقابه ، فإياك والغفله عما رأيت ، فاجتهد الرجل بعد ذلك اجتهادا شديدا حتى مات .
501- وبإسناده عن جعفر بن سليمان عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : رأى رجل جمجمة إنسان فحدث نفسه بشيء فخر ساجدا نادما مما حدث به نفسه فقيل له : ارفع رأسك فأنت أنت وأنا أنا .
502- وعن جعفر قال : سمعت أبا عمران الجوني يقول : نودي ارفع رأسك فإنك ابن آدم وأنا الله ، تتوب ، وأعود إليك ، فصلِّ .
503- خرج ابن ماجه والترمذي من حديث هانىء مولى عثمان قال : كان عثمان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته ، فقيل له : تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتبكي من هذا ؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن القبر أول منازل الاخرة فإن نجا منه فما بعده ايسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه " .
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما رأيت منظراً قطُّ إلا والقبر أفظع منه " .
504- وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث البراء بن عازب قال : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مر بجماعة فقال علام اجتمع هؤلاء ؟ قيل : على قبر يحفرونه . قال : فبدى بين يدي أصحابه مسرعاً حتى انتهى إلى القبر فجثى عليه قال : فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع ، فبكى حتى بل الثرى من دموعه ثم أقبل إلينا فقال : " أي إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا " .
505- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن قال : مات أخ لنا فلما وضع في القبر جاء صلة بن أشيم حتى أخذ بناحية الثوب ثم قال :
إن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا أخالك ناجياً
506- وبإسناده عن خالد بن هلال الوزان قال : قال عبد الله بن رواحة : لا يغرنك الحياة فقدم ، أحذر إن للقبر شأناً ، إن فيه لما يحاذر ذو اللب ، وإن كان ذا نهى أو معاناً ، إنني موقن يا بني عاجل قد لبسو في الأكفانا فإذا ما وضعت في ظلم إلى اللحد ولويت من مكاني مكاناً برجائي البشرى ونور وإلا لقيتني في القبر سقوه وهوانا .
507- وبإسناده عن حجاج الأسود قال : رأيت في منامي كأني دخلت المقابر فإذا أنا بأهل القبور في قبورهم ، وقد انشقت الارض عنهم ، منهم النائم على التراب ، ومنهم النائم على الريحان ، ومنهم كهيئت المبتسم في نومه ومنهم من قد أشرق لونه ومنهم حائل اللون ؛ رب لوشئت سويت بينهم في الكرامة ، فناداني مناد من ناحية القبور : يا حجاج هذه منازل الأعمال فاستيقظت من كلمته فزعا فبكيت لما رأيت ذلك في منامي .
508- وعن سلمه البصري قال : وقف رجل على قبر قد بني بناء حسنا ، فجعل يتعجب من حسنه ، فلما كان في ليلة أتاه آت في منامه فوقف عليه ، وإذا رجل قد انمحت آثار وجهه فقال شعرا :
أعجبك القبر وحسن البناء والجسم فيه قد حواه البلاء
فاسأل الأموات عن حالهم ينبأك عن ذا ك ذهاب الجلاء
قال : ثم ولا فاتبعته ، فدخل الجبان ، فأتى ذلك القبر ، فانساب فيه .
509- وعن سلمة البصري أيضا قال : رأيت مربع بن مسرور العابد في منامي ، وكان كثير الذكر لله ، كثير الذكر للموت ، طويل الإجتهاد ، قال : قلت: كيف رأيت موضعك ؟ فقال : ليس يعلم ما في القبور داخله إلا الإله وساكن الأجداث ، ثم ولى وتركني .
510- وبإسناده عن روح بن سلمه الوراق قال : رأيت إبراهيم المجملي في منامي فقلت : في أي الحالات أنت في الاخرة ؟ قال : فبكى ثم قال : ما أطول غموم الموتى في قبورهم . قلت : فأنت كيف حالك ؟ قال: خير حال مرت إلى رضا الله بفضله علي ومنته قال : وكان إبراهيم قد صام .
511- يقال له وسيم قال : حدثتني امرأة من أهلي عابدة ، وكانت أصيبت بابن لها فما ترقأ لها دمعة قالت فرأيته بعد الحول في منامي كأنه جالس في قبره في أكفانه ، وقد سقطت في حرفته ، فقلت : هذا ابني والله فدنوت منه كالفزعة من منظره فقلت : يا بني كيف ترى مكانك ؟ فقطب وجهه ثم قال شعرا :
أعجبك القبر وحسن البناء و الجسم فيه قد حواه البلاء
فاسأل الاموات عن حالهم ينبأك عن ذاك ذهاب الجلاء
ثم تمدد في قبره فنظرت الى خط أسود لبس ثم انزو ولا رسن وتطابق القبر قال : فاستيقظت والله وأنا وجلة مما رأيت .
512-وعن الفضل بن مهلهل أخي الفضل وكان من العابدين قال : كان جليس لنا حسن التخشع والعبادة ، يقال له المجيب وكان من أجمل الرجال فصلى حتى انقطع عن القيام ، وصام حتى أسود ، ثم مرض فمات ، وكان محمد بن المضر الحارثي له صديقا ومات محمد قبله قال : فرأيت محمداً في منامه بعد موت مجيب فقلت : ما فعل أخوك مجيب قال لحق بعمله فكيف وجهه ذاك الحسن قال : أبلاه والله التراب قال : وقلت : كيف وأنت تقول لحق بعمله ؟ قال : يا أخي علمت أن الأجساد في القبور تبلى وأن الأعمال في الآخرة تحيا قلت : يبلون حتى لايبقى منهم شيء ثم يجيؤن يوم القيامة ، إي والله يا أخي يبلون حتى يصيرون رفاتا ثم يحييون عند الصيحة كأسرع من اللهم وأنشد بعضهم :
ما حال من سكن الثرى ما حاله أمسى وقد رثت هناك حباله
أمسى ولا روح الحياة تصيبه أبدا ولا لطف الحبيب يناله
أمسى وقد درست محاسن وجهه وتفرقت في قبره أوصاله
واستدلت منه المجالس عبرة وتقسمت من بعده أمواله
مازالت الأيام تلعب بالفتى والمال يذهب صفوه وحلاله
513- وروى البراء بإسناده عن الفضيل بن عياض قال : رأيت رجلاً يبكي ، قلت : وما يبكيك ؟ قال : أبكاني كلامه قلت : ما هو ؟ قال : كنا وقوفاً في المقابر فأنشدوا :
أتيت القبور فسألناها أين المعظم والمحتقر
وأين المذل بسلطانه وأين القوي إذا ما قدر
ففاتوا جميعاً فما مخبر وماتوا جميعاً ومات الخبر
فيا سائلي عن أناس مضوا أما لك في ما مضى معتبر
تروح وتغدو وأبلاك الثرى فتمحو محاسن تلك الصور
514- وقد روي عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار أنه قال : أتيت القبور فناديتها فذكر الأبيات الثلاثة ثم قال : فهتف بي هاتف ، تفانوا هناك فما من مخبر وبادوا جميعاً وباد الخبر فذكر الأبيات الثلاثة أيضاً .
515- وروى ابن البراء أيضاً بإسناده أن قبراً أصيبت عليه هذه الأبيات مكتوبة :
الموت أخرجني من دار مملكتي فالتراب مضجعي من بعد ترفي
لله عبد رأى قبري فأعبره وخاف من دهره رب التصاريف
استغفر الله من جرمي ومن حنقي وأسأل الله فوزي يوم توفيقي
هكذا مصير بني الدنيا وإن نعموا فيها وغرهم طول التساويف
وروى ابن أبي الدنيا بإسناد له أنه قرأ على قبر بشيراز :
ذهب الأحبة بعد طول تودد ونأى المزار فأسلموك وأتشعوا
خذلوك أفقر ما تكون بغربة لم يؤنسوك وكربك لم يدفعوا
قضى القضاء وصرت صاحب حفرة عند الأحبة عرضوا وتصدعوا
وبإسناد له قال قرىء على قبر بمقابر البصرة مكتوب :
يا غافل القلب عند ذكر المنيات عما قليل ستثوى بين أموات
فاذكر محلك قبل الحلول به وتب إلى الله من لهو وملذات
إن الحمام له وقت إلى أحد فاذكر مصائب أيام وساعات
لا تطمئن إلى الدنيا وزينتها قد حان للموت ياذا اللب أن يأتي
وقرىء على قبر آخر :
ستعرض عن ذكري وتنسى مودتي ويحدث بعدي للخليل خليل
وقرىء على قبر آخر بالأيلة :
إذا ما نقصت يوماً من العيش مدتي فإن غناء الباكيات قليل
الموت بحر غالب موجه تضيق فيه حيلة السابح نفسي إلى قال ، فاسمع مقالة من خبير :
ما صاحب الإنسان في قبره مثل التقى والعمل الصالح
وقرىء على قبر :
بادر شبابك قبل وقت رحيله واعمل ليومك يا أخا الأشراف
وقرىء على قبر بالأيلة :
ليس للميت في قبره فطر ولا أضحى ولا عشر ، نأى على الأهل على قربه كذاك مصيري قرىء على قبر بالأيلة :
أنا البعيد القريب الدار منظره بين الجنادل والأحجار
وقرىء على قبر ببعض الفلوات :
رحمه الله من بكى لغريب فقد عفى غبر القبر فمحى الحسن والصفاء
وقرىء على قبر :
أنا في القبر وحيد قد تبرأ الأهل مني أسلموني لذنوبي ، خفت إن لم يعف عني
وقرىء على حائط مقبرة :
يا أيها الواقف بالقبور بين أناس غيب حضور
قد سكنوا في خرب مغمورين بين الثرى وجندل الصخر ينظرون صيحة النشور
ولا تك عن مصيرنا في غفلة غداً إلى منزلنا تصير
وفي كتاب " العجائب " ليشكر الحافظ :
قرىء على قبر بطبرستان مكتوب :
أما ترون محلي غداً تصيرون على أبلى التراب شبابي
وكلكم سواء سبيلكم كسبيلي سبيل من كان قبلي
ووجد على قبر مكتوب :
وقفت على الأحبة حين صفت قبورهم كأفراس الرهان
فلما أن بكيت وفاض دمعي رأت عيناي بينهم مكاني
وقرىء على قبر :
ولقد وقفت كما وقفت وقد نظرت فما اعتبرت
حصل لنفسك منزلاً قبل الحصول كما حصلت
وأوصى بعض الوزراء أن يكتب على قبره :
أيها المغرور في الدنيا بعز يقينه ، وبأهل وبمال وبقصر تبتنيه ، كم عليها قد سحبنا ذيل سلطان منيته ، يحسب الأقدار تجري بخلود ترتجيه ، إذا طواك الموت طياً فاعتبرنا نحن فيه .
516 - وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن الحسين حدثني أبو عمر الضمري حدثني عبد الله بن صدقة بن مرداس البكري عن أبيه عن شيخ حدثه بقرية من بلاد أنطابلس قال : كان ثلاثة إخوة : أمير يصحب السلطان ويؤمر على المدائن والجلوس ، وتاجر موسر مطاع من ناحيته ، وزاهد قد تخلى لنفسه وتخلى لعبادة ربه . قال : فحضرت العابد الوفاة فاجتمع عنده أخوانه فقال لهما إذا مت فغسلاني وكفناني وادفناني على نشز من الأرض واكتبا على قبري :
وكيف يلذ العيش من هو عالم بأن إله الخلق لا بد سائله
فيأخذ منه مظلمة لعباده ويجزيه بالخير الذي هو فاعله
فإذا أنتما فعلتما ذلك فأتياني كل يوم لعلكما أن تتعظا . قال : ففعلا ذلك ، فكان أخوه يركب في جنده حتى يقف على القبر فيقرأ ما على عليه ويبكي فلما كان اليوم الثالث وأراد أن ينصرف سمع هدة من داخل القبر ، كاد أن ينصدع لها قلبه، فانصرف مذعوراً فزعاً فلما كان من الليل رأى [ أخاه ] في منامه فقال له أي أخي ما الذي سمعت من قبرك ؟ قال تلك هدة المقمعة قيل لي رأيت : مظلوما ، فلم تنصره ، فأصبح مهموما فدعا أخاه وخاصته وقال : ما أرى أراد بما أوصى أن يكتب على قبره غيري ، وإني أشهدكم أن لا أقيم بين ظهرانيكم أبدا ، قال : فترك الإمارة ولزم الكتابة وكتب إلى عبد الملك بن مروان في ذلك ، فكتب أن خلوه وما أراد ، فحضرته الوفاة وهو في جبل مع بعض الرعاه فبلغ أخاه فأتاه فقال له إذا مت فادفني إلى جنب أخي وأكتب على قبري :
وكيف يلذ العيش من كان موقنا بأن المنايــا بغتة ستعاجـله
فتسلبـــه ملكـا عظيمـا وتسكنه البيت الذي هو أهله
ثم تعاهدني ثلاثة بعد موتي ، وادعو الله لي لعل الله أن يرحمني ، ومات ففعل به أخوه ذلك فلما كان في اليوم الثالث وأراد أن ينصرف سمع وجبة في قبره كاد أن يذهل عقله ، فرجع حزينا قلقا . فلما كان في الليل إذا بأخيه في منامه قد أتاه قال . فقلت له : أي أخي أتيتنا زائرا قال : يا أخي هيهات بعد المزار فلا مزار ، وأطمأنت بنا الدار قلت : يا أخي كيف أنت ؟ قال : بخير ما أجمع التوبة لكل خير . قال : فكيف أخي ؟ قال : ذلك مع الأئمه الأبرار . قلت : وما أمرنا وراءكم . قال : من قدم شيئا وجده ؛ فاغتنم وجدك قبل نقلك ، فأصبح أخوه معتزلا ففرق ماله وقسمه وباعه ، وأقبل على طاعة ربه ، ونشأ له ابن كأهنأ الشباب وجها وجمالاً فأقبل على المكاسب والتجارة حتى بلغ منها الغاية ، وحضرت الوفاة أباه وقال له : إذا مت تذكر القبور والتفكر في أحوالهم .