الصفحة الرئيسية              |                 قسم أهوال القبور                   |                أضف موقعنا للمفضلة             |                  سجل الزوار

 

البابُ العاشر

 

في ذكر ضيق القبور وظلمتها على أهلها وتنورها عليهم بدعاء الأحياء وما ورد من حاجة الموتى إلى دعاء الأحياء وانتظارهم لذلك

 

وقد تقدم في الباب الثاني أن القبر يقول : أنا بيت الظلمة وبيت الضيق إلا ما وسع الله .

429- قال ابن المبارك وحدثنا صفوان بن عمرو حدثني سليم بن عامر قال : خرجنا في جنازة على باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي فلما صلى على الجنازة وأخذوا في دفنها قال أبو أمامة : إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تغنمون فيه الحسنات والسيئات توشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا - يشير إلى القبر - بيت الوحشة وبيت الظلمة وبيت الضيق إلا ما وسع الله ثم تنتقلون منه ِإلى يوم القيامة .

430- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلمة بن سعيد قال : كان هشام الدستوائي إذا ذكر الموت يقول : القبر ، وظلمة القبر ، ووحشة القبر ، فلما مر بعض إخوانه إلى جنبات قبره قال : يا أبا بكر والله صرت إلى المحذور . وروى بإسناده عن امرأة هشام الدستوائي قالت : كان هشام إذ طفىء المصباح غشيه من ذلك أمر عظيم فقلت له : إنه يغشاك أمر عظيم عدن المصباح إذا طفىء قال : إني أذكر ظلمة القبر ، ثم قال : لو كان سبقتني إلى هذا أحد من السلف لأوصيت إذا مت أن أجعل في ناحية من داري قال : فما مكثنا إلا يسيراً حتى مات قال : فمر بعض إخوانه به في قبره فقال : يا أبا بكر صرت إلى المحذور .

431- وقال الحسن بن البراء حدثني عبد الوهاب بن غياث حدثتني جمعة جارة لهشام الفردوسي قالت : كان هشام إذا رجع من جنازة لم يتعش تلك الليلة وكان لا ينام إلا في بيت سراج قال : فطفىء سراجه ذات ليلة فخرج هارباً فقيل له : ما شأنك قال : ذكرت ظلمة القبر .

432- وروينا حديث خالد بن خداش قال : كنت أقعد إلى أشيم البلخي عم قتيبة وكان أعمى وكان يحدث ويقول : أواه القبر وظلمته ، واللحد وضيقه ، وكيف أصنع ؟ ثم يخشى عليه ، ثم يعود فيحدث فيصنع مثل ذلك مرات حتى يقوم .

433- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن وهيب بن الورد قال نظر ابن مطيع يوماً إلى داره فأعجبه حسنها فبكى ثم قال : والله لولا الموت لكنت بك مسروراً ولولا ما نصير ] إليه ] من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى بكاء شديداً حتى ارتفع صوته .

434- وبإسناده عن الفيض بن إسحاق قال : قال لي الفضيل بن عياض : أرأيت لو كانت لك الدنيا فقيل لك : تدعها ويوسع لك في قبرك ما كنت تفعل ؟ قال فقال : فضيل أليس تموت وتخرج من أهلك ومالك وتصير إلى القبر وضيقه وحدك ثم قال : { فما له من قوة ولا ناصر } ثم قال : إن كنت لا تعقل هذا فما في الأرض دابة أحمق منك . قال :

435- وأخبرنا محمد بن الحسين حدثني محمد بن حرب المكي قال : قدم علينا أبو عبد الرحمن العمري العابد فاجتمعنا إليه وأتاه وجوه أهل مكة قال : فرفع رأسه فنظر إلى القصور المحدقة بالكعبة فنادى بأعلى صوته : يا أصحاب القصور المشيدة اذكروا ظلمة القبر يا أهل النعيم والتلذذ اذكروا الدود والصديد وبلى الأجساد في التراب قال : ثم غلبته عيناه فنام .

436- وقال : في كتاب " العزلة " : حدثنا حسن بن عبد الرحمن عن رجل قال : دخلت على رجل بالمصيصة في بيته فيه فرشه وقماشة ، فقلت : أما يضيق صدرك من هذا فبكى وقال : إذا ذكرت القبر وظلمته اتسع هذا عندي ولهيت عن غيره .

437- وذكر بإسناد له أن سعيد بن عبد العزيز دخل على سليمان الخواص فقال : مالي أراك في الظلمة ؟ قال : ظلمة القبر أشد .

438- قال أبو الحسن بن البراء : حدثنا أبو حمزة الأنصاري حدثني أبو المضرجي قال : خرجت غازياً فمررت ببعض حصون الشام ليلاً فوجدت باب الحصن مغلقاً ومقبرة على الباب ، فبت بجنب المقبرة بالقرب من قبر محفور فلما نمت إذا بهاتف من القبر وهو يقول شعراً :

    أنعم  الله    بالخيـالين    عينا            وبمسراك   يا  أميم   إلينا

    عجباً ما عجبت من ثقل التر              ب ومن ظلمة القبور علينـا

قال : فانتبهت فإذا بالباب قد فتح وإذا بجنازة يقدمها شيخ فقلت له : ما هذه الجنازة ؟ قال : جنازة ابنتي قلت : ما اسمها ؟ قال أميمة . قلت : القبر محفور لمن ؟ قال قبر ابن أخي وكان زوجها فتوفي ، فدفنته ثم توفيت ابنتي فجئت أدفنها ، فأخبرته بما سمعت من الهاتف في القبر .

439- وخرج ابن أبى الدنيا من طريق مجالد عن الشعبي قال كان صفوان بن أمية في بعض المقابر فإذا شعل نيران قد أقبلت ومعها جنازة فلما دنوا من القبر قال : انظروا قبر كذا وكذا قال : وسمع رجل صوتاً من القبر حزيناً موجعاً يقول شعراً :

    أنعم    الله    بالظعينة      عينا             وبمسراك  يا  منين  إلينا

   جزعاً ما جزعت من ظلمة القب             ر ومن مسك التراب منينا     

فأخبر القوم بما سمع فبكوا حتى خضبوا لحاهم ثم قالوا : هل تدري من منينة ؟ قال : لا . قالوا : صاحبة هذا السرير . وهذه أختها ماتت قبل عام أول .

440- وخرج ابن المنذر الهروي المعروف بيشكر في كتاب " العجائب " له من طريق أبي حمزة اليماني قال : جاء رجل إلى طلحة بن عبد الله بن عثمان بن معمر في الجاهلية فقال : إني رأيت عجباً مررت بقبور فنمت فسمعت قائلاً من القبر يقول شعراً :

    أنعم    الله    بالظعينة   عينا            وبمسراك   يا  منين  إلينا

    نفساً ما نفست من ظلمة القب         ر ومن مسك التراب منينا

فانتبهت فإذا أنا بأهل جنازة فقمت إليهم فأخبرتهم فقالوا : هذه منين وهذه أختها فدللتهم على القبر فدفنوها إلى جانبها ، وبإسناده عن إسماعيل بن راشد قال : حجت امرأة ، فماتت في بعض المنازل ، فلما كان من العام القابل حجت أخت لها فماتت في ذلك المكان فجهزوها وأخرجوها ليدفنوها فبينما هم يطلبون قبر أختها ورجل قد سرى ليله فأتى القبور فرمى بنفسه فنام فيها فاستيقظ فقال : ما تطلبون قالوا : قبراً قال : هو تحتي . قالوا : وما علمك ؟ قال سمعت قائلاً يقول :

    يا  منينا  يا  منينتي  يا  منينا                أنعم  الله   بالظعينة  عينا

    نفسا مانفست من نفس القبـ               ـر ومن مسك التراب منينا

    لم  نجد  بعدكم  منين  رجاء                أقبل  الدهر  بالغناء  علينا

قال : فدفنت إلى جانبها .

441- وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أمينة بنت عمران بن يزيد قالت : رأيت أبي في منامي فقلت : يا أبت لا عهد لي بك منذ فارقتنا . قال : يا بنية وكيف تعهدين من فارق الحياة إلى ضيق القبور وظلمتها ؟ قالت : فقلت : كيف حالك منذ فارقتنا قال : خير حال يا بنية بوّئنا المنازل ، ومهدت لنا المضاجع ، ونحن هنا يغدا علينا ويراح برزقنا من الجنة . قلت : فما الذي بلغكم هذا قال : الصبر الصالح وكثرة التلاوة لكتاب الله عز وجل . وخرج أبو نعيم بإسناد له عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول في موعظة له طويلة يذكر فيها أهل القبور : أليسوا في مدلهمة ظلماء أليس الليل والنهار سواء ؟

442- قال أبو الحسن بن البراء أنشدنا إسماعيل بن إدريس السمار لأبي العتاهية يبكي على نفسه في مرثية .

    لأبكينَّ   على  نفسي  وحق  ليه             يا  عين   لا تبخلي  عني  بعبرتيه

    لأبكين   لفقدان   الشباب    فقد             جد   الرحيل   عن   الدنيا برحلتيه

    يا نأي منتجعي  يا هول  مطلعي            يا ضيق  مضطجعي  يا بعد شقنيه

    المال  ما  كان   قدامي  لآخرتي            مالاً   أقدم  من  مالي   فليس   ليه

 

 

 

فصل

  

443- وقد روى ابن أبي الدنيا من طريق أبي غطفان المري قال : قال عمر : يا رسول الله لو فزعتنا أحياناً لفزعنا فكيف بظلمة القبر وضيقه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما يبعث العبد على ما قبض عليه " وهذا مرسل .

444- وبإسناده عن وهب بن منبه . قال : كان عيسى عليه السلام واقفاً على قبر ومعه الحواريون وصاحبه يدلى فيه فذكروا القبر ووحشته وضيقه وظلمته قال عيسى عليه السلام : قد كنتم في أضيق منه أرحام أمهاتكم فإذا أحب الله أن يوسع وسع .

445- وبإسناده عن جعفر بن سليمان قال : شهد رجل يدلى في حفرتة فقال : إن الذي يسهل على الجنين في بطن أمه قادر أن يسهل عليك ، قال : وقال بعضهم : شبل ابن عورة هو المتكلم بهذا .  

446- وخرج الإمام أحمد حديث الأسود الذي كان ينظف المسجد فمات فدفن ليلاً فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر فقال : " انطلقوا إلى قبره " فانطلقوا فقال إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وإن الله عز وجل ينورها بصلاة عليها فأتى القبر ، فصلى عليه .

وخرج مسلم نحوه من حديث أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن قد قيل : إن آخره مدرج في حديث أبي هريرة .

447- وروى محمد بن حميد الرازي ثنا مهران بن [ أبى ] عمر ثنا سفيان عن علقمة ابن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبر حديث عهد بدفن ومعه أبو بكر وعمر فقال : قبر من هذا ؟ قال أبو بكر : هذه يا رسو الله أم محجن كانت مولعة بأن تلتقط الأذى من المسجد قال : ألا آذنتموني قالوا : قد كنت نائما فكرهنا أن نجهدك ، قال : فلا تفعلوا فإن صلاتي على موتاكم تنور لهم في قبورهم . قال: فصف بأصحابه فصلى .

448- وقد ذكرنا فيما تقدم عن أبى قلابه أنه راى ميتا في نومه فقال له : جزى أهل الدنيا خيرا أقرأهم منا السلام فإنه يدخل علينا من دعائهم نور مثل الجبل .

449- وقال ابن أبى الدنيا حدثنا أبو عبد الله بن يحير حدثني بعض أصحابنا قال : رأيت أخا لي في النوم بعد موته فقلت : أيصل إليكم دعاء الأحياء قال: أي والله يترفرف مثل النور ثم يلبسها .

450- وروى بإسناده عن بشار بن غالب البحراني قال : رأيت رابعة العدوية في منامي وكنت كثير الدعاء لها فقالت لي : يا بشار بن غالب هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمرة بمناديل الحرير ، قالت : هكذا دعاء المؤمنين الأحياء إذا دعوا للموتى فستجيب لهم جعل ذلك على أطباق النور وخمر بمناديل الحرير ، ثم أتى به إلى الذي دعا له من الموتى فقيل : هذه هدية فلان إليك .

451- وبإسناده عن عمرو بن جرير قال : إذا دعا العبد لأخيه الميت أتاه ملك في قبره فقال له : يا صاحب القبر الغريب هدية من أخ شفيق عليك . وبإسناده عن بشر بن منصور قال : كان رجل يختلف إلى الجبان زمن الطاعون فيشهد الصلاة على الجنائز فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال : آنس الله وحشتكم ورحم الله غربتكم وتجاوز عن سيئاتكم وقبل الله حسناتكم . لا يزيد على هذه الكلمات قال : فإذا أمسيت ذات ليلة فانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر فدعو كما كنت أدعو قال : فبينما أنا نائم إذا أنا بخلق كثير قد جاؤني فقلت لهم : ما جاء بكم ؟ قالوا نحن أهل المقابر . قلت : وما تريدون ؟ قال : إنك كنت عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك قلت : وما هي ؟ قال: الدعوات التي كنت تدعو بها . قال : فقلت : إني أعود لذلك فما تركتها بعد .

452- وبإسناده عن سفيان بن عينية قال : كان يقال : الأموات أحوج إلى الدعاء من الأحياء إلى الطعام .

453- وبإسناد له عن بعض المتقدمين قال : مررت بالمقابر فترحمت عليهم فهتف هاتف : نعم فترحم عليهم فإن فيهم المهموم والمحزون .

454- وروى جعفر الخلدي عن العباس بن يعقوب بن صالح الأبياري سمعت أبى يقول : رأى بعض الصالحين أباه في النوم فقال : يا بني لم قطعتم هديتكم عنا قال : يا أبت وهل تعرف الأموات هدية الأحياء ؟ قال : يا بني لولا الأحياء هلكت الأموات ، نسأل الله العفو والغفران .