الصفحة الرئيسية          |             فهرس علامات الساعة الكبرى               |            أضف موقعنا للمفضلة         |                سجل الزوار

 

 

الفصل الأول:

المَسيح الدَّجَّال

 

 

 

تعريف:

 

الدجال مشتق من دَجَل. ودَجَلَ الشيءَ غطَّاه.

وقال ابن سيده: المسيح الدجال رجل من يهود يخرج في آخر هذه الأمة، سمي بذلك لأنه يدجل الحق بالباطل، وقيل: لأنه يغطي الأرض بجموعه، وقيل: لأنه يغطي على الناس بكفره، وقيل: لأنه يدّعي الربوبية، سمي بذلك لكذبه، وكل هذه المعاني متقارب.

قال ابن خالويه: ليس أحد فسر الدجال أحسن من تفسير أبي عمرو قال: الدجال المموِّه. يقال: دَجَلْتَ السيفَ موَّهْتَه وطليتَه بماء الذهب. وجمعه: دجالون ودجاجلة. وقال أبو العباس: سمي دجالاً لتمويهه على الناس وتلبيسه وتزيينه الباطل.

وقد عرّفه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه بالكذَّاب.

 

حديث الجَسَّاسَة:

 

هذا الحديث الشريف ترويه فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث الناس عن الدجال، كما سمعه من الصحابي الجليل تميم الداري الذي كان نصرانياً ثم جاء فأسلم وحدث النبيَّ صلى الله عليه وسلم بحديث يوافق ما كان يحدث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الدجال وصفته.

وهنا حق علينا أن نعرف بتميم الداري رضي الله عنه.

قال الذهبي رحمه الله في " سير أعلام النبلاء " عنه:

» صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو رقية، تيميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة اللخمي، الفلسطيني. وفد تميم الداري سنة تسع فأسلم، فحدث عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم على المنبر بقصة الجساسة في أمر الدجال.

ولتميم عدة أحاديث. وكان عابداً، تلاَّءً لكتاب الله. قال ابن سعد: لم يزل بالمدينة حتى تحوّل بعد قتل عثمان إلى الشام. [وقال]: كان وفد الداريين عشرة، فيهم: تميم.

وكان تميم يختم القرآن في سبع.

وعن مسروق: قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، صلى ليلةً حتى أصبح أو كاد، يقرأ آية يرددها ويبكي: ) أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ( الجاثية:20.

يقال: وجد على بلاطة قبر تميم الداري: مات سنة أربعين. وحديثه يبلغ ثمانية عشر حديثاً، منها في صحيح مسلم حديث واحد « اهـ كلام الذهبي بتصرف.

*   *   *

قالَ الإِمامُ مُسْلم في صَحيحه: حَدَّثَنا عبدُ الوارِث بن عبد الصَّمَد بن عبد الوارث - واللَّفظُ لِعبد الوارث بن عبد الصّمَد- حدَّثَنا أبي عن جَدّي عن الحُسَيْنِ بنِ ذََكْوان حَدَّثَنا ابنُ بُرَيدَة حَدَّثَني عامِرُ بنُ شُراحيل الشَّعبي - شَعْبِ هَمْدان - أنَّهُ سَأَلَ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أُخْتَ الضَّحَّـاك بنِ قيْس - وكانَتْ مِنَ المُهاجِراتِ الأُوَلِ - فَقالَ: حَدِّثيني حَديثاً سَمِعْتيهِ مِنْ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لا  تُسْنِديهِ إلى أَحَدٍ غَيْرِهِ. فَقالَتْ: إنْ شِئْتَ لأَفْعَلَنْ. فَقالَ لَها: أَجَلٌ، حَدِّثيني. فَقالَتْ: نَكَحْتُ ابْنَ المُغيرَةَ وَهُوَ مِنْ خِيارِ شَبابِ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ، فَأُصيب في أَوَّلِ الجِهادِ مَعَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ في نَفَرٍ مِنْ أَصحابِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وخَطَبَني أُسامَةُ بنُ زَيْدٍ، وَكُنْتُ قَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ أحَبَّني فَلْيُحِبَّ أُسامَةَ. فَلَّما كَلَّمَني رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم قُلْتُ: أَمْري بِيَدِكَ فَأَنْكِحْني مَنْ شِئْتَ. فَقالَ: انْتَقِلي إلى أَمِّ شَريكٍ - وأُمُّ شَريكٍ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصارِ عَظيمَةُ النَّفَقَةِ في سَبيلِ الله يَنْزِلُ عَلَيْها الضِّيفانُ - فَقُلْتُ: سَأَفْعَلُ. فَقال: لاَ تَفْعَلي، إنَّ أُمَّ شَريكٍ كَثيرَةُ الضِّيفانِ، فَإنَّي أَكْرَهُ أنْ يَسقُطَ عَنكِ خِمارُكِ أَوْ يَنْكَشِفَ الثَّوْبُ عَنْ ساقَيْكِ فَيَرى القَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ ما تَكْرَهينَ، وَلَكِنِ انْتَقِلي إلى ابْنِ عَمِّكِ عبدِ الله بنِ عَمْروِ بنِ أُمِّ مَكتوم- وَهُوَ رَجُلٌ من بَني فَهرٍ، فَهْرِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مِنَ البَطْنِ الذي هي مِنْهُ- فانْتَقَلْتُ إلَيهِ. فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتي سَمِعْتُ نِداءَ المُنادي، مُنادي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَكُنْتُ في صَفِّ النِّساءِ التي تَلي ظُهورَ القَوْمِ. فَلَمّا قَضى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صَلاتَهُ جَلَسَ عَلى المِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقالَ: لِيَلْزَمْ كُلُّ إنْسانٍ مُصَلاّهُ. ثُمَّ قال: أَتَدْرونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟ قالوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقال:

» إنِّي وَاللَّهِ ما جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ أَوْ لِرَهْبَةٍ ولَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ تَميماً الدَّارِيَّ كانَ رَجُلاً نَصْرانِيَّاً فَجاءَ فَبايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَني حَديثاً وافَقَ الذي كُنْتُ أُحَدِّثُكُم عن مَسيحٍ الدَّجَّالِ. حَدَّثَني أنَّهُ رَكِبَ في سَفينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلاثينَ رَجُلاً مِنْ لَخْمٍ وجُذامٍ، فَلَعِبَ بِهُمُ المَوْجُ شَهْرَاً في البَحْرِ ثُمَّ أُرْفِؤا إلى جَزيرَةٍ في البَحْرِ حَتّى مَغْرِبَ الشَّمْسِ فَجَلَسوا في أَقْرُبِ السَّفينَةِ، فَدَخَلوا الجَزيرَةَ فَلَقِيَتْهُم دابَّةٌ أَهْلَبُ الشَّعْرِ لا يَدْرونَ ما قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثرَةِ الشَّعْرِ، فَقالوا: وَيْلَكِ ما أَنْتِ؟ فَقالَتْ: أَنا الجَسَّاسَةُ. قالوا: وما الجسَّاسَة ُ؟ قالَتْ: أيُّها القَوْمُ انْطَلِقوا إلى هَذا الرَّجُلِ في الدَّيْرِ فَإنَّهُ إلى خَبَرِكُمْ بالأَشْواقِ. قالَ: فَلَمَّا سَمَّتْ لَنا رَجُلاً فَرِقْنا مِنها أن تَكونَ شَيْطانَةً. قالَ: فانْطَلَقْنا سِراعاً حَتَّى دَخَلْنا الدَّيْرَ، فَإذا فيهِ أَعْظَمُ إنْسانٍ رَأَيْناهُ قَطُّ خَلْقاً وَأَشَدُّهُ وَثاقاً، مَجْموعَةً يَداهُ إلى عُنُقِهِ ما بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إلى كَعْبَيْهِ بِالحَديدِ. قُلْنا: وَيْلَكَ ما أَنْتَ ؟ قالَ: قَدْ قَدِرْتُمْ عَلى خَبَري، فَأَخْبِروني مَنْ أَنْتُمْ. قالوا: نَحْنُ أُناسٌ مِنَ العَرَبِ رَكِبْنا في سَفينَةٍ بَحْرِيَّةٍ فَصادَفَنا البَحْرُ حينَ اغْتَلَمَ، فَلَعِبَ بِنا المَوْجُ شَهراً ثُمَّ أَرْفأَنا إلى جَزيرَتِكَ هَذِهِ فَجَلَسْنا في أَقْرُبِها فَدَخَلْنا الجَزيرَةَ فَلَقِيَتْنا دابَّةٌ أهْلَبُ كَثيرُ الشَّعْرِ لايُدْرى ما قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ، فَقُلْنا: وَيْلَكِ ما أَنْتِ ؟ قالَتْ: أَنا الجَسّاسَةُ. قُلْنا: وما الجسّاسَة ُ؟ قالَتْ: اعْمِدوا إلى هذا الرَّجُلِ في الدَّيْرِ، فَإنَّهُ إلى خَبَرِكُم بالأَشْواقِ. فَأَقْبَلنا إلَيْكَ سِراعاً وَفَزِعْنا مِنْها وَلَمْ نَأْمَنْ أنْ تَكونَ شَيْطانةً. فَقالَ: أخْبِروني عَنْ نَخْلِ بَيْسانَ. قُلْنا: عَنْ أيِّ شَأْنِها تَسْتَخْبِرُ؟ قالَ: أسْأَلُكُم عن نَخْلِها هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنا لَهُ: نَعَم. قالَ: أَما إنَّهُ يوشِكُ أَنْ لاتُثْمِرَ. قالَ: أَخْبِروني عَنْ بُحَيْرَة الطَّبَرِيَّةِ. قُلْنا: عنْ أَيَّ شَأْنِها تَسْتَخْبِرُ؟ قالَ: هَلْ فيها ماءٌ؟ قالوا: هِيَ كَثيرَةُ الماءِ. قالَ: أمَا إنَّ ماءَها يوشِكُ أنْ يَذْهَبَ. قالَ: أخْبِروني عَنْ عَيْنِ زُغَرَ. قالوا: عَنْ أَيِّ شَأْنِها تَسْتَخْبِر ؟ قالَ: هَلْ في العَينِ ماءٌ ؟ وهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُها بِماءِ العَيْنِ؟ قُلنا: نَعَم، هِيَ كَثيرَةُ الماءِ وأَهْلُها يَزْرَعونَ مِنْ مائِها. قالَ: أَخَبِروني عَنْ نَبِيِّ الأُمِّيِّينَ ما فَعَلَ ؟ قالوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ. قالَ: أَقاتَلَهُ العَرَبُ ؟ قُلْنا: نَعَم. قالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِم ؟ فَأَخْبَرْناهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلى مَنْ يَليهِ مِنَ العَرَبِ وَأطاعُوهُ. قالَ لَهُم: قَدْ كانَ ذَلِكَ ؟ قُلْنا: نَعَم. قالَ: أَما إنَّ ذاكَ خَيْرٌ لَهُم أَنْ يُطيعوهُ، وَإنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي إنِّي المَسيحُ، وإنّي أوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لي في الخُروجِ، فَأَخْرُجُ  فَأَسيرُ في الأَرْضِ، فلا أَدَعُ قَرْيَةً إلاّ هَبَطْتُها في أرْبَعينَ لَيْلَةٍ غَيْرَ مَكَّةَ وطَيْبَةَ فَهُما مُحَرَّمَتانِ عَلَيَّ كِلْتاهُما، كُلَّما أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ واحِدَةً أوْ واحِداً مِنْهُما اسْتَقْبَلَني مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتاً يَصُدُّني عنها، وإنَّ عَلى كُلِّ نَقْبٍ مِنْها مَلائِكَةٌ يَحرُسونَها. قالَتْ: قالَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم - وَطعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ في المِنْبَرِ-: هَذِهِ طَيبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، - يَعْني المَدينَةَ - ألا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُم ذَلِكَ؟ فَقالَ الناسُ: نَعَم. فَإنَّهُ أَعْجَبَني حَديثُ تَميمٍ أنَّهُ وافَقَ الذي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ وعَنِ المَدينَةِ وَمَكَّةَ. أَلا إنَّهُ في بَحْرِ الشَّام أو بَحْرِ اليَمَنِ، لا بَل مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ، ما هُوَ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ، ما هُوَ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ ما هُو «، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إلى المَشْرِقِ. قالَتْ: فَحَفِظْتُ هَذا مِنْ رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم .

ولفظة » ما هُوَ « زائدة صلة للكلام  ليست بنافية، والمراد إثبات أنه في جهة الشرق.

 

الـدَّجَّال يهوديُّ المِلَّة:

 

روى الإمامُ مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال لي ابنُ صائد - وأَخَذَتْني منه ذمامة -: هذا عَذَرْت الناس، ما لي ولَكم يا أصْحابَ محمّد! ألَمْ يَقُلْ نَبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم إنَّه يهوديٌّ وقَدْ أَسْلَمْتُ! قال: ولا يولَدُ لَهُ، وقد وُلِدَ لي! وقال: إنَّ اللّهَ حَرَّمَ عليهِ مَكَّةَ والمدينَةَ .. الحديث.

وابن صائد هذا كان يشكُّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنه الدَّجَّال في بادِئ الأمر عندما كان ابن صائد صغيراً، حيث كانت تأتيه الشياطينُ وكان يتكهَّن، ويزعم أنه يرى عرشاً على الماء - أي عرش إبليس-، ثم أسلم بعد ذلك.

روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فمررنـا بصبيانٍ فيهم ابن صياد، ففرّ الصبيانُ وجلس ابنُ صياد، فكأنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كره ذلك، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: » تربتْ يداكَ، أتشهدُ أني رسولُ الله؟ « فقال: لا. بل تشهد أني رسول الله؟ فقال عمر بن الخطاب: ذرني يـا رسول الله حتى أقتله. فقـال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » إنْ يكن الذي ترى فلن تستطيعَ قتله « . وفي رواية: أن عمر بن الخطاب انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهطٍ قِبَلَ ابنِ صياد حتى وجده يعلبُ مع الصبيانِ عند أُطُمِ بني مَغالة، وقد قاربَ ابنُ صياد يومئذٍ الحُلُم، فلم يشعرْ حتى ضربَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ظهرَه بيده، ثم قـال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لابن صياد: » أتشهدُ أني رسولُ الله؟ « فنظر إليه ابنُ صياد فقال: أشهدُ أنكَ رسولُ الأمِّيِّين. فقال ابنُ صياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسولُ الله؟ فرفضه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقـال: » آمنتُ باللهِ وبرسله «، ثم قال لـه رسول الله صلى الله عليه وسلم: » ماذا ترى؟ « قـال ابنُ صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقـال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: » خُلِّطَ عليه الأمر «. ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: » إني قد خبَّأْتُ لَكَ خَبيئا ً«، فقال ابنُ صياد: هُوَ الدُّخُّ. فقال لـه رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخْسأْ فلن تَعْدُوَ قدرَك «. فقـال عمرُ بن الخطاب: ذرني يـا رسولَ الله أضرِبْ عنقه! فقال لـه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: » إِنْ يَكُنْهُ فلن تُسَلَّطَ عليه، وإن لم يَكُنْهُ فلا خيرَ لك في قتلـه « .

ومِمَّا يدلُّ أيضاً عَلى أنَّ الدَّجَّالَ يهودي الملَّة هو أنَّه عند خروجِه مِن أصفَهان - وتدعى أصبَهان أيضاً - يتبعُه سبعونَ ألفاً من يهودِها، كما روى الإمام مسلم في الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يهودِ أصْبَهانَ سَبعونَ أَلْفاً عَليهِمُ الطَّيالِسَةُ « . والطيالسة جمع طلسان أو طيلسان ( معرّب )، وهو ضرب من الأوشحة يلبس على الكتف.

 

ابن صائد وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه:

    

ولأبي سعيد الخدري رضي الله عنه مع ابنِ صائد قصص وأحداث، منهـا مـا رواه الإمام مسلم في الصحيح عنه قال: صحبتُ ابنَ صائد إلى مكّةَ فقال لي: أمَا إنّي قدْ لَقيتُ منَ النّاسِ، يزعُمونَ أنِّي الدَّجَّال! أَلَسْتَ سَمِعْتَ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: إنّهُ لا يولَدُ له؟ قلتُ: بَلى. قالَ: فَقَد وُلِدَ لي. أوَلَيسَ سَمِعْتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: لا يَدْخُلُ المَدينةَ ولا مَكّةَ؟ قلتُ: بَلى. قـالَ: فَقَدْ وُلِدْتُ بِالمَدينةِ وهذا أنا أُريدُ مَكَّةَ. قال: ثمّ قـالَ لي في آخِرِ قَوْلِهِ: أمَا واللهِ إنّي لأعْلَمُ مَوْلِدَهُ ومَكانَهُ وأينَ هو. قالَ: فَلَبِسَني. وهذا يدل على أن اليهود يعلمون أين هو ويتوارثون أخباره، أو يعلمه خاصتهم ممن يتعامل مع الشياطين لأن ابن صائد كان ممن تتنَزل عليه الشياطين قبل إسلامه.

وَرَوى مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خَرَجْنا حُجّاجاً أَوْ عُمّاراً ومَعَنا ابْنُ صائد، قال: فَنَزَلْنا مَنْزِلاً فَتَفَرَّقَ النّاسُ وبَقيتُ أنا وَهُوَ، فاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ وَحْشَةً شَديدَةً مِمّا يُقالُ عَلَيْهِ. قال: وجاءَ بِمَتاعِهِ فَوَضَعَهُ مَعَ مَتاعي، فَقُلْتُ: إنَّ الحَرَّ شَديدٌ، فَلَوْ وَضَعْتَه تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، قالَ: فَفَعَلَ. قال: فَرُفِعَتْ لَنا غَنَمٌ، فانْطَلَقَ فجاءَ  بِعُسٍّ، فَقالَ: إشْرَبْ أبا سَعيدٍ، فَقُلْتُ: إنَّ الحَرَّ شَديدٌ واللَّبَنَ حارٌّ - ما بي إلاّ أنّي أَكْرَهُ أنْ أشْرَبَ عَنْ يَدِهِ - أو قال -: آخُذُ عَنْ يَدِهِ. فَقالَ: أبا سعيدٍ! لَقَد هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلاً فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرَةٍ ثُمَّ أخْتَنِقَ مِمّا يَقولُ ليَ الناسُ. يا أبا سعيد! مَنْ خَفِيَ عَلَيهِ حَديثُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما خَفِيَ عليكُم معشَرَ الأنْصار؟ أَلَسْتَ مِنْ أعْلَمِ النّاسِ بِحَديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ أَلَيْسَ قَد قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هُوَ كافِرٌ، وأنا مُسْلِمٌ؟ أَوَلَيْسَ قَد قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هُوَ عَقيمٌ لا يولَدُ له، وقد تَرَكْتُ ولدي في المدينَةِ؟ أَوَلَيْسَ قدْ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يَدْخُلُ المَدينةَ ولا مَكَّةَ، وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنَ المَدينَةِ وأنا أُريدُ مَكَّةَ؟ قال أبو سعيد: حَتّى كِدْتُ أنْ أعْذُرَهُ، ثُمَّ قالَ: أمَا واللهِ، إنّي لأعْرفُهُ وأعْرِفُ مَولِدَهُ وأينَ هُوَ الآنَ! قال: قُلْتُ لَه: تَبّاً لَكَ سائِرَ اليَوْمِ.

 

سبب ومكان خروج الدجال:

 

فأمّا مكان خروجِه فَمِن أرض الفِتن، أرض المَشرق، حيث يتبعه مِن أهلها مَن وصفهم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي والحاكم بسند صحيح عن أبي بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » إنّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ مِن أرْضٍ بِالمَشرِقِ يُقالُ لَها خُراسان، يَتْبَعُهُ أقوامٌ كَأَنَّ وُجوهَهُم المَجَانُّ المُطْرَقَة ُ« . أي وجوههم كالأترسة الممدودة، وهي صفة للتتار والترك.

وأمّا سبب خروجه، فقد روى الإمام مسلم في الصحيح عن أمِّ المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما أنها قالت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قـال: » إنّما يخرج مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُه «. وفي رواية » إنّ أوَّلَ ما يبعَثُهُ على الناسِ غَضَبٌ يغْضَبُهُ « .

ونحن لا ندري ما يغضب الدجال: هل هو تحرير بيت المقدس من أيدي اليهود ؟ أم هل هو انهيار القوى الصليبية بعد انتصار المسلمين على النصارى - الذين يسيرهم اليهود في العالم-؟ الله تعالى أعلم، لكن نستطيع القول أن ما يغضبه هو أمر في صالح الأمة الإسلامية، فنسأل الله تعالى أن يعجل النصر القريب.

وعندما يخرج الدجال تكون همّته المدينة المنورة - حفظها الله - لسبب الله أعلم به، ولعلها تكون في ذلك الوقت معقلاً للإسلام والمسلمين، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: » إن الإسلام بدأ غريباً وسَيَعودُ كما بَدَأَ، وهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ المَسجِدَيْنِ كما تَأرزُ الحيَّةُ في جُحْرِها « .

روى الإمام مسلم والإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل- رحمهما الله - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: » يَأْتي الْمَسيحُ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ وهِمَّتُهُ المدينَةُ حَتّى يَنْزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ، ثُمَّ تَصْرِفُ المَلائِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ الشّامِ وهُناكَ يَهْلِكُ « .

إن عدم استطاعة الدَّجَّال دخول المدينة منقبة من مناقبها الكثيرة، فهي محمية تحرسها الملائكة، كما جاء في الأحاديث الصحيحة.

روى مالك وأحمد والشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: » عَلى أنْقابِ المَدينَةِ مَلائِكَةٌ، لا يَدْخُلُها الطاعونُ ولا الدَّجَّالُ «. وَفي رِواية لأَنَسِ بن مالك رضي الله عنه عند البخاري والنسائي، قال صلى الله عليه وسلم: » لَيْسَ منْ بَلَدٍ إلاّ سَيَطَؤه الدَّجَّالُ ، إلاّ مَكَّةَ والمَدينَةَ، ولَيسَ نَقْبٌ مِنْ أنْقابها إلاَّ عَلَيهِ مَلائكَةٌ حافِّينَ تَحْرُسُها، فَيَنْزِلُ بالسَّبْخَةِ، فَتَرْجُفُ المَدينَةُ بِأهْلِها ثلاثَ رَجفاتٍ، يَخرجُ إليهِ مِنها كُلُّ كافِرٍ ومُنافِقٍ «.

لذلك سمَّاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم طيبة وأنّها تنفثُ خبَثَها كما ينفث الكيرُ خبثَ الحَديد.

روى البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: » لا يَدْخُلُ المَدينَةَ رُعبُ المسيحِ، لَها يَومَئذٍ سَبعَةُ أبواب، على كلِّ بابٍ مَلَكان « .

والأحاديث في هذا الشأن كثيرة.

 

صفة المسيح الدَّجَّال

 

لقد وصف لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسيحَ الدَّجَّال وصفاً دقيقاً بأحاديث صحيحة مستفيضة، حتى أنه قال صلى الله عليه وسلم: » إنّي حَدَّثْتُكُم عَنِ الدَّجّالِ حتى خَشيتُ أنْ لا تَعقِلوا .. « الحديث - وسيأتي إن شاء الله-. وذلك لأنّ فتنته عظيمة، كما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: » يا أيُّها النّاسُ! إنّها لَم تَكُنْ فِتْنَةٌ على وَجْهِ الأرْضِ، مُنْذُ ذَرَأَ الله ذُرِّيَّةَ آدَمَ، أعْظَمَ مِن فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. وإنَّ اللهَ U لَمْ يَبْعَثْ نَبِيَّاً إلاّ حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدّجَالَ، وأنا آخِرُ الأَنْبِياءِ وأَنْتُم آخِرُ الأُمَمِ، وهُوَ خارِجٌ فيكُم لا مَحالَة .. « الحديث.

إنَّ أهم ما يميِّز الدَّجَّالَ هو عوَر عينه اليمنى وانطماس اليسرى، وأنه مكتوب بين عينيه كافر. فلْنقرأْ حديثه صلى الله عليه وسلم وهو يصفه لنا.

يقول صلى الله عليه وسلم: »